سهيلة عبد الباعث الترجمان

457

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

و " الحبر " إشارة إلى التوراة ، و " القسيس " إشارة إلى الإنجيل ، بحيث يكون المعنى المجمل هو أن تلك المحبوبة العالمة قد ألمّت بمحتوى الكتب المنزّلة جميعا ، فعندئذ تكون الإشارة مفهومة واضحة « 1 » . وعليه ، فإن ما يراه ابن عربي أنه لما كانت هذه المسألة ذاتية ، وكانت الكتب الأربعة لا تدل إلّا على الأسماء الإلهية خاصة لها ، لم يقاوم ما تحمله هذه الكتب من العلوم المكنّى عنها بحاملها ، فكنّى عن القرآن بالعلّام . وعن الزبور المنسوب إلى داوود ، وعن التوراة بالحبر ، وعن الإنجيل بالقسيس « 2 » . والحقيقة الظاهرة للعيان أن موقف ابن عربي لا يتضمن الرفض لأي من هذه الأديان المنزّلة من حيث جوهرها ، وهو وإن أظهر محاولة لتخطّي الصور الظاهرية للوحي بغية الوصول إلى معانيها الباطنية ، فإنه لم يكن بأية حال من الأحوال ليدل على رفضها " من أدنى " بمعنى الامتناع عن قبول الشعائر الظاهرية والأشكال الإيمانية للدين ، بل على العكس من ذلك فقد حاول أن يتخطّى المستوى الظاهر لينفذ من خلاله إلى لبّ الشعائر والعبادات التي هي في حدّ ذاتها من مقومات الدين الرئيسية ، والتي نزلت من " السماء " فوجب على الإنسان اتباعها فيما لو أراد أن تكون حياته الروحية مثمرة . إذن فعن طريق هذه المظاهر الشكلية الظاهرية للدين فإن ابن عربي كغيره من الصوفية حاول أن يصل إلى باطن الوحي ومعناه الكلي « 3 » . لقد قضى ابن عربي كثيرا من عمره في أداء الصلوات المفروضة في الإسلام ، والتوبة إلى اللّه عن خطاياه ، وفي تلاوة القرآن ، وذكر اسم اللّه ، فتبين له عن طريق هذه الممارسات أن الطريق التي أوحاها اللّه تهدي إلى نفس القمّة ، وأنه إذا تمثّل دين كل التمثّل فكأنما تمثّلت الأديان جميعا ، فقد وجد في صميم الأشكال الموحاة الحقيقة الكلية التي لا شكل لها ، وهذا ما دعاه إلى القول بصحتها جميعا فقال : عقد الخلائق في الإله عقائدا * وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه « 4 »

--> ( 1 ) ابن عربي ، ذخائر الأعلاق ، ص . ص 15 - 16 . ( 2 ) نصر ( سيد حسين ) ، ثلاثة حكماء مسلمين ، ط دار النهار بيروت ، ص . ص 152 - 153 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 153 . ( 4 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 175 .