سهيلة عبد الباعث الترجمان
447
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وجد ، ومن وجد فني ، ومن فني بقي ، ومن بقي عبد ، ومن عبد جاز . . . ثم قال لي : الحيرة حيرة ، وإنما هي غيرة مني عليك ، فعزّ عليك ، واسترني واصحبني ، ولا تظهر في الوجود غيري " « 1 » . وقد عرض النابلسي لوحدة الشهود لدى السادة الأئمة وذكر أنهم في حيرة دائمة ، فهم تارة يغلب عليهم شهود الوجود الحق الحقيقي الذي به كل شيء موجود فينفون ما عداه ، ويرون أن كل ما عداه خيال ، وأنه سراب ينتهي إلى الهلاك والاضمحلال والزوال ، وإنهم صادقون في قولهم لأن كل ما سوى الحق تعالى مقدّر مفروض « 2 » . كذلك الحال بالنسبة للمشاهدة ، فهي ليست في درجة واحدة لدى المشاهدين ، بل تختلف في الدرجة ومدى التحقق بالقرب من اللّه ، وقد تفاضل العلماء فيما بينهم بين فاضل وأفضل فقال : " إن مشاهدة العرفاء في ذلك مختلفة ، فباختلاف المشاهد يتفاضلون ، فمن شهد التعيّن والتكثّر شهد الخلق ، ومن شهد الوجود الأحدي المتجلي في هذه الصور شهد الحق ، ومن شهد الوجهين : شهد الخلق والحق باعتبارين مع أن الحقيقة واحدة ذات وجهين ، ومن شهد الكل حقيقة واحدة متكثّرة بالنّسب والإضافات ، أحدا بالذات ، كلا بالأسماء ، فهو من أهل اللّه العارفين باللّه حق المعرفة ، ومن شهد الحق وحده بلا خلق فهو صاحب حال في مقام الفناء والجمع ، ومن شهد الحق في الخلق والخلق في الحق فهو كامل الشهود في مقام البقاء بعد الفناء ، والفرق بين الجميع وهو مقام الاستقامة " « 3 » . وقد حرص ابن عربي على تبرئة نفسه من القول بالحلول والاتحاد في كل مقالاته ، فحاول إظهار الصلة بين الحق والخلق على أنها صلة بين عابد ومعبود ، وشاهد ومشهود ، لا صلة اتحاد أو اتصال بمعنى الحلول ، وقد أشار إلى هذا التمايز
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب مشاهد الأسرار القدسية ، مصدر سابق ، لوحة 17 . ( وهذا الموقف مصداق لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم " زدني فيك تحيرا " أورده الغزالي في مدخل السلوك بلفظ " اللهم زدني فيك تحيرا " ، ص 71 . وهذا دلالة على حيرة أهل اللّه في الوصول والثبات في المعرفة الحقيقية ) . ( 2 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، إيضاح المقصود من وحدة الوجود ، مصدر سابق ، ص . ص 18 - 19 . ( 3 ) القاشاني ( عبد الرزاق ) ، شرح الفصوص ، مصدر سابق ، ص 117 .