سهيلة عبد الباعث الترجمان
445
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
واللّه مشهود له قبل ذلك الحادث . وما نبّه أحد فيما وصل إلينا على هذا الوجه وما يتكون منه في قلب المعتكف على شهوده إلّا أبو بكر الصدّيق . ولكن نحن ما أخذناه من تنبيه أبي بكر الصديق لكوننا ما فهمنا عنه ما أراد ولا فكّرنا فيه ، وإنما اعتنى اللّه بنا فيه ، ففاجأنا العلم به ابتداء ولم نكن نعرفه ، فأنكرنا ذلك وقلنا من أين هذا ؟ ففتح اللّه بيننا وبين ذلك الباب ، فعلمت مالنا من اللّه على الخصوص وعرفنا أن هذا هو الوجه الخاص الذي من اللّه لكل كائن عنه ، فلزمته واسترحت ، وعلامة من يدّعيه لزوم الأدب الشرعي . وإن وقعت منه معصية بالتقدير الإلهي الذي لا بد من نفوذه ، فإن كان يراها معصية ومخالفة لأمر الشرع فيعلم أنه من أهل هذا الوجه الخاص . وإن كان يعتقد خلاف هذا ، فيعلم أن اللّه ما أطلعه قط على هذا الوجه ( الذي بينه وبين اللّه ) ولا فتح له فيه ، وأنه شخص لا يعبأ اللّه به ، فإنه ما من أحد أعظم أدبا مع الشرع ولا اعتقادا حقيقيا فيه ، أن الحق كما يعلم العاميّ سواء ، إلّا أهل الحظ من هذا الوجه فإنهم يعلمون الأمر على ما هو عليه " « 1 » . فإدراك الحق والحال هذه عزيز المنال ، فهو لا يدرك ولا يحاط به علما ، لأنه تعالى يعزّ عن المشاهدة ، فإذا عوين فلا يعاين إلّا من حيث العلم والمعتقد لأنه تعالى أعز من أن يشهد على وجه الإحاطة ، وعليه فإن مشاهدة الحق لا تعطي الإحاطة بذاته لأنه " لا تدركه الأبصار " . . . فالعلم بالألوهية إذن لا يلزم منه العلم بالذات ، وبهذا يكون مدار المعرفة على الحقيقة على علوم ثلاثة : علم الألوهية ، وعلم الذات ، وعلم نسبة هذه الألوهية لهذه الذات ، وبعد هذا كله فلا إحاطة ولا إدراك « 2 » . إن فكرة وحدة الوجود لدى ابن عربي ليست من قبيل المغالطة والخلط ، ولم يقصد بها المزج بين الحق والخلق في وحدة حلولية يحل أحدها في الآخر ، إنما كان هدفه من وراء ذلك أن يعرض لما يصاب به العبد في مقام البهت والفناء وهو في حال التجلي ، حيث يسكت عن الكلام والمناجاة ، لما يصاب به من الذهول ويؤخذ عن نفسه ، فيفقد الإحساس بالوجود ويصمت لعظم التجلّي ، فيقول : " إن هذا المقام الإلهي يعطي أنه
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 731 . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب المسائل ، ( الرسائل ) ، ص 36 .