سهيلة عبد الباعث الترجمان
444
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أتمّ في المشاهدة لأنه ما من أمر شهده إلّا وله حكم زائد على ما وقع عليه الشهود لا يدرك إلا بالكشف ، فإن أقيم ذلك الأمر في الشهود من حيث ذاته ، صحب ذلك المشهود حكم ولا بد ، ولا يدرك إلّا بالكشف هكذا أبدا " « 1 » . ومردّ الأحكام جميعها عند أهل اللّه تكون إلى اللّه ، فإذا أضيف أي حكم منها إلى غير اللّه أنكروه ، على حين أن العلماء خلاف ذلك ، إذ أنهم على حكم الحق فيه لا على ما يشهدونه ، وبهذا تختلف خصوصيات المشاهدة بين الفريقين . وفي هذا الموقف يرى الصوفي المشاهد الحق قبل رؤيته لأي شيء آخر كما قال الصدّيق الأكبر . فيقول : " إذا أضيف حكم من أحكام الوجود إلى غير اللّه أنكره أهل الشهود خاصة ، وهم الذين لا يشهدون شيئا ولا يرون شيئا إلّا ورأوا اللّه قبله كما قال الصدّيق رضي اللّه عنه ، عن نفسه : ما رأيت شيئا إلّا ورأيت اللّه قبله ، أثبت أنه رضي اللّه عنه أنه يرى انفعال الأكوان عن الحق وحده ليس للكون فيه أثر البتة . وليس هذا المشهد لغير مقام الصدّيق " . « 2 » " أما العلماء فهم في هذا المقام على حكم الحق فيه لا على ما يشهدونه فينكرون النكرة ويعرفون المعرفة إذ كان الوجود مبناه على المعرفة وهي الأصل " « 3 » . ويحدثنا ابن عربي عما ناله من العلم اللّدنيّ الذي تمّ له عن طريق الكشف ليتمّ التصديق به ، لما فيه من دقة وعظيم شأن لا يناله إلّا من تهيأت له نفسه بعد تنقّيها وصرف كل ما هو مادي عنها ، لتبقى باللّه كي يتم لها المشاهدة الحقة ، وهو في هذا المقام لا يرى سوى اللّه ، وما ناله من العلم هو هبة ومنّة من اللّه تعالى فيقول : " . . . إذا علم الأشياء كلها من ذلك الوجه أي الوجه الخاص الذي بينه وبين اللّه ، وهو لكل مخلوق ، فهو ملازم لتلك المشاهدة ، والشؤون الإلهية والأشياء تتكون عن اللّه وهو ينظر إليها فلا تشغله مع كثرة ما شاهد من الكائنات في العالم ، وهو مقام الصدّيق في قوله : " ما رأيت شيئا إلّا ورأيت اللّه قبله " وذلك لما ذكرناه من شهوده صدور الأشياء عن اللّه بالتكوين ، فهو في شهود دائم والتكوينات تحدث . فما من شيء حادث يحدث عن اللّه إلّا
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 653 . ( 2 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، الكبريت الأحمر ، الجزء الثاني ، ص 99 . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 300 .