سهيلة عبد الباعث الترجمان

443

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

ومغشي « 1 » . زد على ذلك أن الرؤية بالعين المجردة غير ممكنة ، إذ لا يمكن للعين الشحمية رؤية النور الإلهي ، لذا ينفي ابن عربي هذه الرؤية استنادا إلى ما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين سئل عن رؤية " اللّه " أهي بالعين المقيّدة بالجارحة أي العين الشحمية ذات الطبقات التي تبصر الظواهر الخارجية ، فنفى ذلك لأن نور الإدراك يضعف عن ذلك النور الإلهي ، وإن كان للبصر المقيّد إدراك في النور الإلهي على حد مخصوص كما يرى ابن عربي . ويخرج قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 2 » على وجهين : ففي الوجه الواحد نفي كامل عن إدراك الأبصار له تعالى ، إنما الإدراك بالإبصار ، وهذا ما يقصد به البصيرة أي الإبصار بالقلب ، كذلك نفى إدراكه بالأبصار المقيّدة بالجارحة كما ذكرنا ، ولهذا يمكن أن تدركه إذا انفلت عن التقييد « 3 » . هكذا يكون الأمر لدى ابن عربي قائما على المكاشفة والمعرفة القلبية ، وليس على المشاهدة للحق ، إذ يعتبر أن المكاشفة أتمّ من المشاهدة ، لأنه لا يمكن مشاهدة أمر ما إلّا بالكشف الذوقي ، ومن هنا كان المجال فسيحا أمام الكشف وأضيق منه أمام المشاهدة لتعذّر مشاهدة الحق كما يقول . وفي هذا موافقة لأقوال طائفة من أهل الطريق كالغزالي مثلا فقال : " إن المكاشفة « * » متعلقها المعاني ، والمشاهدة « * * » متعلقها الذوات ، فالمشاهدة للمسمّى ، والمكاشفة لحكم الأسماء ، والمكاشفة عندنا أتمّ من المشاهدة إلّا لو صحت مشاهدة ذات الحق لكانت المشاهدة أتمّ ، وهي لا تصح . فلذلك قلنا إن المكاشفة أتمّ لأنها ألطف ، فالمكاشفة تلطّف الكثيف ، والمشاهدة تكثف اللطيف . . . وإنما قلنا إنها

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 653 . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية : 103 ك . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 656 . ( * ) المكاشفة : تطلق بإزاء تحقيق الإنابة بالقهر ، وتطلق بإزاء تحقيق زيادة الحال ، وتطلق بإزاء تحقيق الإشارة ( ابن عربي ، كتاب اصطلاحات الصوفية ، الطبعة الأولى ، دار المعارف العثمانية ، حيدر أباد الدكن ، ص 9 ) . ( * * ) المشاهدة : تطلق على رؤية الأشياء بدلائل التوحيد ، وتطلق بإزاء الحق في الأشياء ، وتطلق بإزاء حقيقة اليقين من غير شك ( ابن عربي ، كتاب اصطلاحات الصوفية ، المصدر السابق ، ص 9 ) .