سهيلة عبد الباعث الترجمان
441
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وهكذا تظهر صراحة ابن عربي في تعبيره عن مذهبه بعد تكتّمه وتستّره عليه فهو وحدة وجود شهودية لأنها تشهد الوجود الحق في صور الكون ، مجتمعة بوحدة واحدة غير متكثرة ، متمثلة في وجود الرحمن دون السوى ، وهذا أصدق دليل على مشاهدة الحق في كل شيء ، ولا يكون ذلك إلا من حيث عين الناظر فيقول : " فما في العالم جزء إلّا ويشاهد خالقه من حيث عينه لا من حيث عين خالقه " « 1 » وهذه المشاهدة التي لا تتعدى حدود المشاهد لنفسه فإنها تعكس صور الحق ، لأن الخلق صوره ومجاليه المختلفة ، ولذا فإن اللّه منزّه عن أن تشاهد حقيقته لأحد إلّا إذا صفا القلب وتخلّى عن كل صبغة مادية ووصل إلى درجة من النقاء والشفافية ، وقد حدد هذه الأمور في باب الوصايا للمشاهدة فقال : " إعلم أن علامة من يدّعي أنه يشاهد الحق إذا عكس مرآة قلبه إلى الكون يعرف ما في ضمائر جميع الخلق ، ويصدقه الناس في الأقوال والأفعال والأحوال " « 2 » . فابن عربي كما يبدو لا يدّعي الكمال لنفسه وأنّه مشاهد للحقيقة ، فهو إذ ينفي ذلك ويعترف بأنه مقصّر في هذا المجال ، وقاصر عن الوصول إلى هذا المقام الخطير لأن مشاهدة الحق موقوفة على الهيبة ، والهيبة تسكن ولا تحرّك « 3 » . لذلك فهو ينبّه الآخرين عن الوقوع في شرك الكلام فقال : " لا يغتر أحد بشقشقة اللسان ، فإنها لا تجدي نفعا " ويقرّ بضعفه قائلا : " ولست واللّه أرى نفسي من أهل هذا الشأن ولا من فرسان هذا الميدان " فالحقيقة المنعوتة بنعوت التنزيه تجل عن المشاهدة والرؤية لأنها " إذا شوهدت تفني كل عين سواها ، وإن تفاضلت مشاهدها في الشخص الواحد بحسب أحواله أو في الأشخاص لاختلاف أحوالهم لما أعطته الحقيقة أنه لا يشهد الشاهد منا إلّا نفسه ، كما لا تشهد هي منا إلّا نفسها ، فكل حقيقة للآخرين مرآة " المؤمن مرآة أخيه " « 4 »
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 575 . ( 2 ) البكري الصديقي ( مصطفى كمال الدين ) ، السيوف الحداد ، باب الوصايا ( المشاهدة ) ، ص 261 آخر صفحات المخطوط . ( 3 ) ابن عربي ، كتاب الشاهد ، ( الرسائل ) ، ص 6 . ( 4 ) الحديث : " المؤمن مرآة أخيه " ورد في سنن الترمذي كتاب البر والصلة 1862 . وفي قول آخر : " المؤمن مرآة المؤمن " سنن أبي داود 4272 .