سهيلة عبد الباعث الترجمان
438
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يقصر معرفة " الوجود " على فئة معينة ، يرى أنها تملك القدرة على ذلك بفنائها ، وعليه فإنه لا يعرف الوجود إلا أهل الشهود ، وأن العين تثبت العين كما ذكر في فتوحاته « 1 » ، بل إنه في حال تحققه بشهود الأحدية يرى فيها الكثرة المتجلية في أسمائه وصفاته ، يقول الجيلي في شرحه على مشكلات الفتوحات : " ولما تحقق الشيخ بشهود أحدية الحق تعالى في كثرة الموجودات ، وعاين تنوعات تجلياته في الأسماء والصفات قال : رأينا رسوما ظاهرة . أراد بالرسوم الأسماء والصفات التي هي الظاهرة في العالم بحقائقها وآثارها " « 2 » . وفي هذا المجال يمكننا القول أنه يمكن للصوفي في هذه الحال حصول العلم الشهودي بعد رفع الحجاب في حال الفناء ، فيتم الكشف ، ويحصل العلم الشهودي للإنسان ويصفو العرفان الذوقي - وفي هذا اتفاق بين ابن عربي وابن الفارض - فيستطيع الإنسان أن يشهد الوجود الواحد الحق المتجلي في صور المرئيات كما يقول ابن الفارض ، وفي الأعيان الثابتة في الوجود الحق كما يقول ابن عربي « 3 » . وهذا عين ما ذهب إليه جلال الدين الرومي في أن مظاهر الوجود المتكثرة ، وصوره المتعددة ليست في الحقيقة إلا طائفة من المجالي التي تتجلى فيها الذات بحيث لا يشهد المتحقق بالشهود مظهرا أو صورة منها إلّا ويشهد الذات فيها . و " اللّه " في موقف ابن عربي هو وحده المطلوب في كل حين ، يشهده القلب دون سواه ، وفي اعترافه أن الحق ذاته ليس مشهودا لأحد في هذه الدنيا من حيث ذاته المقدّسة . وليس الحق مشهودا لأحد من حيث أنه ذات موصوفة بالأسماء والصفات إلّا عن طريق المجالي والمظاهر ، ولكنه مشهود في كل قلب وفي صور معتقدات صاحب هذا القلب ، فتجلى الحق في ذاته غير مشهود لأحد ، كذلك تجلّيه في الحضرة
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 39 . ( 2 ) الجيلي ( عبد الكريم ) ، شرح مشكلات الفتوحات المكية ، مخطوط معهد المخطوطات العربية ، القاهرة ، ورقة 14 ، ص ب . ( 3 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، ابن الفارض والحب الإلهي ، مرجع سابق ، ص 341 .