سهيلة عبد الباعث الترجمان

428

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الإلهي المطلق الذي تعشّقه وقدّسه ، فكان بذلك رمزا للجمال الإلهي المطلق المتجلي فيها ، في صورة كاملة ، لهذا فإن كان قد بثّها حبه وهيامه وأشواقه ، فإنما هو متجه بذلك إلى الذات الإلهية المتجليّة لها في أجمل صورة لها ، وليس تغزّله بها ووصفه لحسنها عن حسّ مادي ، إنما هو يرمز بدافع روحي إلى ما تنطوي عليه من الحقيقة الإلهية الكلية المتجلية فيها ، ومن هنا يمكن القول بأن لغة ابن عربي في " ترجمانه " هي لغة رمزية لا تؤخذ على ظاهرها ، بل يجب أن يؤوّل كل مصطلح فيها تأويلا يتفق وفكرته التي يرمي إليها من وراء هذا الرمز ، وقد أخذ الفقهاء عليه صراحته هذه في وصفه لغادة مكة وكانت موضع نقمة منهم ، دفعته إلى شرح معاني كلامه شرحا صوفيا ، منبها إلى ما يرمي إليه فقال : كلما أذكر من طلل « * » * أو ربوع أو معان « * * » كلما وكذا إن قلت هي أو قلت يا * وألا إن جاء فيه أو أما وكذا إن قلت هي أو قلت هو * أو همو أو هنّ جمعا أو هما . . . أو نساء كاعبات نهّد * طالعات كشموس أو دما صفة قدسيّة علويّة * أعلمت أنّ لصدقي قدما فاصرف الخاطر عن ظاهرها * واطلب الباطن حتى تعلما « 1 » فهو إذن لم يكن ليعشق هذه الغادة من حيث جمالها وحسنها ، إنما لما تمثّله من صور الجمال اللانهائي للذات الإلهية التي وسعها قلب ابن عربي وشغف بها ، فهي إذن رمز ومجلى لهذه الذات الواحدة المحبوبة على الإطلاق ، بل والمعبودة على الإطلاق ، إذ أن المحبوب مهما تعددت مجاليه فهو واحد ، والمعبود مهما تعددت أشكاله ومظاهره فهو الذات الإلهية الواحدة التي لا كثرة فيها بوجه ما من الوجوه ، لذلك تغنّى بالحب بكل شكل من أشكاله ، وفي كل صورة من صوره التي ظهر فيها فقال : لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعى لغزلان وديرا لرهبان

--> ( * ) الطلل : محركة الشاخص من آثار الدار . ( * * ) المغاني : المنازل التي غنى بها أهلها ثم ظعنوا والربع الدار بعينها . ( 1 ) ابن عربي ، ذخائر الاعلاق شرح ترجمان الأشواق ، ص . ص 5 - 6 .