سهيلة عبد الباعث الترجمان
427
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
- وحدة الشهود كنتيجة مترتبة على الحب الإلهي : عبّر ابن عربي عن حبه الإلهي من خلال نظرته إلى الحقيقة الوجودية من حيث هي حقيقة جامعة للوجهين الحق والخلق . ولما كان الحق هو وجه الوحدة فيها ، فإن وجهها الآخر هو الكثرة المتعينة في صور وتعينات ومجالي هذا الوجه الذي هو الوجود الحق . ولما كانت الصور هي محل تجلي صفات الحق وأسمائه ، فكل صفة وجودية ندركها في الأشياء إنما هي مجلى خاص من مجالي صفة إلهية مطلقة ، أو اسم إلهي مطلق كالحب مثلا ، فإن كل محبوب مجلى أو صورة للمحبوب المطلق وهو الحق . وهذا ينسحب على باقي الصفات الإلهية كالحياة والسمع والإرادة والبصر وغيرها . فيكون المحبوب على الحقيقة في كل ما يحبّ إنما هو الحق الذي يتجلى في ما لا يتناهى من الصور سواء أكانت حسية أم معنوية أم روحية . عمد ابن عربي إلى استخدام الرمز في تعبيره عن حبه بحيث يخفي على الجاهل ما يرمي إليه من معنى . وليس تغنّيه بحب ليلى وسعدى وهند وغيرهن سوى رموز يرمز بها إلى حقيقة مسماها ، ويوميء بصورتهنّ إلى صاحب الصورة فهو يهدف من وراء ذلك إلى الوصول إلى المسمّى الحقيقي لهذه الموجودات ، جميعها « 1 » . إذن لم تكن نظرة ابن عربي للفتاة التي تغزّل بها " النّظام " نظرة تعشق لجمالها الحسي الفاني ، ولا نظرة هوى وصبابة يرنو إليها ، إنما كانت نظرته في ذلك إلى مجلى من مجالي الجمال
--> ويقول : فلم يكن أقرب إليه قبولا في ذلك الهباء إلّا حقيقة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المسماة بالعقل ، فكان سيد العالم بأسره وأول ظاهر في الوجود من ذلك النور الإلهي ، ومن الهباء ، ومن الحقيقة الكلية . وفي الهباء وجد عينه وعين العالم من تجليه ، ( الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 119 ) . ( 1 ) ابن عربي ، ذخائر الأعلاق ، شرح ترجمان الأشواق ، ص . ص 5 - 6 . وقد ضمّن كتابه وديوانه " ترجمان الأشواق " هذه الرموز التي يتغزل بها لغادة مكة النظام ابنة الشيخ مكين الدين بن شجاع بن رستم نزيل مكة ، واصفا محاسنها خلقا وخلقا ، مأخوذا بجمالها فقال : " وقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق وعبارات الغزل الفائق . فكل اسم أدعو فعنها أكنّي ، وكل دار أندبها فدارها أعني ، ( ذخائر الأعلاق ، شرح ترجمان الأشواق ، المقدمة ) .