سهيلة عبد الباعث الترجمان
426
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا « 1 » ، بل وينفي دور العقل والنظر العقلي عن علمه هذا ، وذلك لقصور العقل عن إدراك مثل هذه العلوم الوهبية فقال " كل وليّ مصطفى لا يتقدم له نظر عقلي في العلم باللّه ، وكل من تقدمه من الأولياء علم باللّه من جهة نظر فكري فهو إن كان وليا فما هو مصطفى ولا هو من أورثه الكتاب الإلهي ، وسبب ذلك أن النظر يقيّده في اللّه بأمر ما يميّزه به عن سائر الأمور ولا يقدر على نسبة عموم الوجود للّه " « 2 » . وجريا على عادة الصوفية فإن ابن عربي قد عمد إلى تأويل الألفاظ تأويلا رمزيا وصرفها عن ظاهرها الخارجي إلى ما هو أبعد من ذلك ، مصطنعا أسلوب الإشارة منظما طائفة من القصائد تغنّي فيها بالحب الإلهي بأسلوب غزلي ، متابعا فيها طريقة الصوفية في الإيماء والكناية ، شارحا لمعانيها وما ترمي إليه من أمور تخفى على صاحب النظر من استجابته إلى حالة روحانية حضرته فعبّر عنها بما يشبه الغزل فقال : " ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية والتنزلات الروحانية والمناسبات العلوية جريا على طريقتنا المثلى ، فإن الآخرة خير لنا من الأولى . . . واللّه يعصم قارئ هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبيّة والهمم العليّة المتعلقة بالأمور السماوية . . . فاستخرت اللّه تعالى في تقييد هذه الأوراق وشرحت ما نظمته في مكة المشرفة من الأبيات الغزلية في حال اعتماري في رجب وشعبان ورمضان ، أشير بها إلى معارف ربانية ، وأنوار إلهية ، وأسرار روحانية ، وعلوم عقلية ، وتنبيهات شرعية ، وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبيب لتعشق النفوس بهذه العبارات فتتوفر الدواعي على الإصغاء إليها ، وهو لسان كل أديب ظريف روحاني لطيف " « 3 » . ولهذا يرى ابن عربي أن المحبوب على الحقيقة في كل ما يحب إنما هو الحق المتجلي في ما لا يتناهى من صور الجمال ، وأجمل صورة تجلى فيها الحق هي " الإنسان الكامل " أو الحقيقة المحمدية « * » .
--> ( 1 ) سورة فاطر ، الآية : 32 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 402 . ( 3 ) ابن عربي ، ذخائر الأعلاق ، شرح ترجمان الأشواق ، ص . ص 4 - 5 . ( * ) الحقيقة المحمدية : يقول ابن عربي : بدء الخلق الهباء ، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية ولا أين يحصرها لعدم التحيز ، ومم وجد ؟ من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم . . . ولم وجد ؟ لإظهار الحقائق الإلهية ، ( الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 118 ) .