سهيلة عبد الباعث الترجمان

425

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

- تمهيد : عرضنا في الفصول السابقة من البحث لأفكار ابن عربي الصوفية في الوجود والذات الإلهية ، وما انكشف له عن الحقيقة الوجودية بوجهيها الحقّي والخلقي ، الأمر الذي أدّى به إلى الفناء الذي اندرست فيه معالم شخصيته أمام أنوار الذات الإلهية ، ففنيت عن ذاتها لتشهد ما ظهر لها من حقائق خفية يعزّ على العقل إدراكها مهما سما في نضوجه وتطوره ، وليس هذا الفناء سوى نتيجة حتمية للمحبة التي سيطرت على القلب والروح عنده فتخلّت عما هو خارج عنها وتعلّقت بالذات الإلهية تعلّق المحب بمحبوبه ، فعبّر عندها عن المواجيد في حال الفناء بما أشهده إياه الحق ، فكان علمه بذلك قائما على الذوق والكشف وذلك نتيجة رياضاته ومجاهداته التي تقلّب فيها بين مقامات وأحوال حتى تحقق له الكمال الروحي الذي سما به في عالم الروح . ومن ثمّ جاءت مؤلفاته معبّرة عما وقر في صدره من العلوم اللدنيّة والمعارف الإلهية عن حقيقة الذات الإلهية ومدى تعلقه بحبها وفنائه فيها . وخير دليل على ذلك كتابه " ترجمان الأشواق " الذي نظمه خلال فترة اعتماره في رجب وشعبان ورمضان حيث كان في حال من أحوال التجلي والصفاء الروحي ، رقّت فيه حجب النفس ، ووصل إلى درجة عالية من الشفافية الروحية ، ويعتبر ديوانه " ترجمان الأشواق " تعبيرا صادقا عن حبه الإلهي الذي سيطر عليه وشغف به طيلة حياته ، كما ضمّنه آراء وأفكارا لها شأنها في التصوف ، وإذا كانت بعض كتبه مثل " الفتوحات المكية " و " فصوص الحكم " قد اشتملت على أذواق ومواجيد ومعان صوفية بعيدة الأثر ، فقد وجد بعض الباحثين أنها تنطوي على معان فلسفية ، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك وقالوا فيه أنه مأخوذ بالمنطق ومرجح لكفة النظر العقلي على كفة المحاسبة النفسية « 1 » برغم أن ابن عربي قد حذّر من المغالاة في طلب المنطق وعدم الشطط فيه ، ذلك أنه وارث للنبيّ والوارث إنما هو على قدم النّبي الذي ورثه ، آخذا ومسترشدا به ، فلا يأخذ عن مصدر آخر غيره ، وذلك لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم " العلماء ورثة الأنبياء " « 2 » ودليل ذلك قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ

--> ( 1 ) Massignon , Essai sur les origines du LExique Technique de la Maystique Musulman , Paris , 1929 , P . 285 . ( 2 ) الحديث : سبق تخريجه .