سهيلة عبد الباعث الترجمان

422

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

للوجود هنا هو الاستمرارية بعد إيجاده ، ولهذا فالعالم لا بقاء له إلا باللّه ، كما أن النعت الإلهي لا بقاء له إلا بالعلم ، لذلك نرى أن البقاء صفة الدوام والاستمرار للحق لا يشاركه في معناه أي شيء ، ولذا كان الإنسان الذي من صفته الفناء غلبت عليه محبة البقاء باعتبارها صفة الديمومة والاستمرارية ، وهذا ما شدّه نحو حب اللّه والفناء فيه ليبقى بعد ذلك بإبقائه له ، يقول : " ولما كان اللّه سبحانه دائم البقاء لا يعرض له شيء من الفناء ، صار من أجل هذه في جبلّة الإنسان محبة البقاء وشهوته ، وكراهة الفناء وبغضه ، لأن في جبلّة الحلول توجد بعض صفات العلة دلالة عليه وإرشادا إليه " « 1 » . ولا يعني ذلك البقاء للعبد أنه نوع من الاتحاد لأن ابن عربي ينفي فكرة الاتحاد بين قديم ومحدث إذ لا مجال إلى ذلك ، كما أن الممكن لا يمكن أن يتحد به الواجب لكن يعتبر هذا البقاء نوعا من الكرامة التي يخلعها الحق على عبده عندما يكون في حضرة المشاهدة فينطق بما يشاهد وبما يشهده مما يوحى به لمن هم ليسوا من أهل الطريق بأنه اتحد مع الذات ، ومن هنا اتّهموا الصوفية بأنهم أهل اتحاد وحلول وهذا مرفوض عنده ، يتضح ذلك من خلال الصورة التي يرسمها للعبد حال تحققه بالبقاء فيقول : " إذ ظهر لك بعد فنائك أبقاك بظهوره لرؤيته وخلع عليك الخلع لأنك في حضرة مشاهدته ، فكنت بلا كون لوجود خلعته عليك ، فخلعته كرامة ، وكرامة الكريم تشبه الكريم ، فمن ظهرت عليه الكرامة سكت عنها ونطق بالكريم ، فتوهم الأجنبي الاتحاد وليس كذلك ، وإنما المحقق غيور على نفسه أن ينطق بغير ربه ، وما كان منه لأنه به مشغوف ، وعليه ملهوف ، وبه متلوف ، فليعذر ، فقد عذره فأشهده ما ذهب بعقله في الذاهبين " « 2 » . وعليه فإن الفناء والبقاء من الأمور التي يناقشها الصوفي باعتبارها مرحلة من مراحل التنّقل في المقامات أو ما يسمى بالمعراج الروحي أو السلم الروحي ، حيث أنه لا يكمل للصوفي التحقق بالصفات الإلهية حتى يجمع بين صفات الظاهر وصفات الباطن منها ، فتتمثل في الوحدة والكثرة والحقيقة والشريعة ، فإنه لا يكفي أن يفنى عن كل ما هو صفة للخلق ، من غير أن يبقى بالحياة الإلهية الأبدية كما هي متجليّة في آثار

--> ( 1 ) ابن عربي ، شجون المسجون ، ورقة 22 ، ص أ . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ( الرسائل ) ، ص 7 .