سهيلة عبد الباعث الترجمان

423

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

اللّه عز وجل ، فالبقاء بما للّه بعد الفناء عن النفس علامة الإنسان الكامل الذي لا يسير إلى اللّه فحسب ، أي لا يفنى عن الكثرة ويبقى بالوحدة فحسب ، بل يسير إلى اللّه مع اللّه وباللّه ، أي بقاؤه الدائم في حال رجعوه إلى عالم الظاهر أي عالم ما قبل فنائه ، رجع مع اللّه وكان في نفسه مجلى من مجالي الحق ، أي مجلى للوحدة في الكثرة . وفي حركة النزول هذه يجعل الشريعة شعاره والحقيقة دثاره لأنه يرجع إلى الخلق فيظهر الحق لهم ، ويقوم في الوقت نفسه بما يقتضيه واجب الشرع « 1 » . وجملة القول أن فناء الصوفي عن نفسه ليس أمرا عدميا ، ولا أمرا سلبيا محضا ، إذ يعقبه بقاء بعد ذلك ، وهو بقاء بما للحق ، وكل فناء ليس من هذا القبيل فهو فناء ناقص لا يؤدي الغرض المقصود منه ، ولهذا تكون عاقبته الخسران المبين ، ذلك " أن المتقي اللّه يجعل له فرقانا لقوله عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً « 2 » ، وهذا الفرقان يحصل للصوفي قبل دخوله في حال الفناء ، وقد يحصل بعد خروجه منها . ولكن عندما يفرق العبد بين وجهي الحق والخلق قبل الفناء فإن في ذلك جهل بوحدته الذاتية مع الحق ، أي جهله بالوحدة القائمة بين وجهي الحقيقة الوجودية الحقية والخلقية إذ أن بينهما اتحادا ذاتيا يظهر في حال الفناء ، لكن الخلق مميز من الحق كما تتميز الصورة من الجوهر الذي هي صورة له ، وهذا ما دلّ عليه حال البقاء ، ويرى أن هذا فرقان أيضا لكنه فرقان بعد قرآن أو كما يقول الصوفية بقاء بعد فناء أو صحو بعد محو وهذا ما يستدل عليه الصوفية من قول ابن الفارض : وفي الصحو بعد المحو ألم أك غيرها * وذاتي بذاتي إذا تجلّت تخلّت هكذا انتهينا مع ابن عربي بعد عرضنا لمذهبه في وحدة الوجود إلى رسم شخصية الصوفي المتحقق بالعلم الإلهي القائم على الكشف والوجدان والذي فنى عن ذاته ليبقى باللّه ولا بد لنا من بيان ما انتهى إليه فناؤه من التحقق بالحب الإلهي ووحدة الشهود كنتيجة حتمية لهذا الحب ومعرفة حقيقة الأديان والوحدة القائمة بينها . وسننتقل لبيان ذلك في فصل آخر يتضمن حقيقة هذه الأمور جميعها ، والمعراج الروحي الذي كان سبيله في ذلك كله .

--> ( 1 ) نيكلسون ، الصوفية في الإسلام ، ترجمة نور الدين شريبة ، الخانجي ، مصر ، 1371 ه / 1951 م ، ص 163 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 29 م .