سهيلة عبد الباعث الترجمان

421

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الإلهي . ولما كان البقاء حالا ثابتا فإنه نعت هذه الأعيان التي يرى أنه من المحال عدمها فعلم اللّه ثابت لا زوال له . ومنعا لأي التباس أو سوء فهم يحاول ابن عربي أن يشرح حال البقاء لهذه الأعيان مميزا لها عن الوجود ، فلا يخلط بين قوله بالعين الثابتة وبين عين الوجود لأن الحق هو " الوجود " ، فلا بد والحال كذلك أن تكون عين الوجود مغايرة للعين الثابتة لفقدان النسبة بينهما يقول : " والبقاء حال العبد الثابت الذي لا يزول ، فإنه من المحال عدم عينه الثابتة ، كما أن من المحال اتصاف عينه بأنها عين الوجود ، بل الوجود نعت بها بعد أن لم يكن ، وإنما قلنا هذا لأن الحق هو الوجود ، ولا يلزم أن تكون الصفة عين الموصوف ، بل هو محال ، فالعبد باقي العين في ثبوته ، ثابت الوجود في عبوديته دائم الحكم في ذلك ، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً « 1 » ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ « 2 » فنحن عنده وهو عندنا ، فألحق النفاد والبقاء بمن ألحقته هذه الآية ، والنفاد فناء والبقاء نعت الوجود من حيث ذاته ، بل نعت سائر المعقولات ما عدا الجوهر " « 3 » فيكون والحالة هذه أن البقاء من صفات الحق تعالى لا يمازجه شيء من الفناء لأن الفناء من صفات المحدثات ، وبقاء الوجود بحفظ اللّه ومشيئته ، وليس إلّا ، لذلك فالعالم محفوظ بقاءه بالحفظ الإلهي الذي لا شان للخلق به ، وفي هذا يظهر دور الشأن الإلهي من إرادة ومشيئة وقوة لحفظ الوجود ، وهي صورة من صور مذهبه في وحدة الوجود حيث يبين أن وجود كل شيء هو نتيجة الأمر الإلهي والمشيئة الإلهية ، فالإيجاد له ، وكل شيء وجوده به لا بنفسه ولا بغيره ، فلا شأن للخلق به ، يقول : " وبعد أن أوجد اللّه العالم وأبقي الوجود عليه لم يكن إلا بحفظه ، فإنه لا بقاء له إلا بالحفظ الإلهي ، فالعبد يرجع إلى اللّه من نفسه ، ويرجع إلى نفسه من اللّه . والحق ما له رجوع إلّا إلى عباده من عباده ، فما كانت له رجعة من نفسه إلّا الأولى المعبر عن ذلك بابتداء العالم . . . " « 4 » فيكون معنى البقاء

--> ( 1 ) سورة مريم ، الآية : 93 ك . ( 2 ) سورة النحل ، الآية : 96 ك . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 679 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 492 .