سهيلة عبد الباعث الترجمان
413
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يتحقق بوحدته الذاتية مع اللّه ، فيبدوا له الوجود كله حقيقة واحدة ذات وجهين ، وهذه الحقيقة هي اللّه من حيث هو علة لذاتها ، والعالم من حيث هو معلول لذاته ، ولا يحصل ذلك للعبد إلا بالمجاهدة وفناء النفس عن الشهوات وسلوك الطريق الوعر الذي يقتضي تحمل المشاق النفسية والجسدية على حد سواء ، فتصفية النفس هي النتيجة الموصلة إلى تحقق الأنس ، وهذا ما أدى بالصوفي إلى الانسحاب من الحياة العامة ، وينتهي بعد ذلك إلى رؤية الوجود كله من خلال ذاته ، فيشعر بسعادة سلبية باطنية تقوم في الفناء عن النفس والبقاء باللّه وحده . لذا فإنه يصور السعادة التي يريد السالك الوصول إليها بعد معراجه الروحي بأنها التحقق مع الذات الإلهية ، وهو يلتزم في ذلك الدعوة إلى الفضائل السلبية في مجاهدة النفس ، والزهد والفقر والعمل على توقّي الرذائل دون الدعوة إلى الفضائل الإيجابية في أعمال طيبة وتقدير للواجب . وهكذا ننتهي مع جبرية ابن عربي إلى القول بأن القوانين المغروسة في جبلّة الوجود قوانين إلهية طبيعية معا ، وهي التي تقرر مصير العالم . وأن التسليم بها هو الذي يؤدي بالصوفي إلى الرضا المطلق ، ولذا فإن كل شيء في العالم يجري بمقتضى قانون الجبرية الأزلية ، وهذا الاعتقاد يقتضي القول بأن كل إنسان يولد على حالة معينة من العصيان أو الطاعة أو الشر أو الخير ، وفقا لما طبقت عليه عينه الثابتة في العلم القديم . ولكن كيف يحقق الصوفي الفناء ؟ وما الفناء الذي يعنيه ؟ . خامسا : الفناء : يعتبر الصوفية أن نهاية المجاهدات والرياضات الروحية هي الفناء . ويذهبون في التعبير عنه كل مذهب ، فمن قائل أنه فناء عن وجود السوى وهو فناء أصحاب وحدة الوجود ، ومن قائل أنه فناء عن شهود السوى وهو ما أشار إليه أكثر الصوفية المتأخرين ، وهم يعدونه غاية على حين أنه - عند أصحاب وحدة الوجود - هو الفناء في الوحدة المطلقة ونفي التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار ، وفي رأي ابن تيمية أنه الفناء عن عبادة السوى والاستعانة بالسوى وإرادة وجه السوى ، وهذا في الدرجة