سهيلة عبد الباعث الترجمان

414

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الثالثة ، وهو شهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة « 1 » . ويعرّف الكلاباذي « 2 » الفناء بأنه الغيبة عن صفات البشرية بالحمل المولّه من نعوت الإلهية ، وهو أن يفنى عن أوصاف البشرية التي هي الجهل والظلم لقوله تعالى : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 3 » . ويشير القشيري في رسالته إلى خاصية أساسية في الفناء الصوفي من الناحية السيكولوجية يذكرها الصوفية وهي ذهاب الحس والوعي ، فلا يعود الصوفي يحس بشيء من جوارحه ولا بنفسه ولا بالعالم الخارجي ، فإذا قيل فني عن نفسه وعن الخلق فنفسه موجودة والخلق موجودون ، ولكنه لا علم له بهم ولا به ولا إحساس ولا خبر ، فتكون نفسه موجودة والخلق موجودون ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين غير محس بنفسه وبالخلق لكمال اشتغاله بما هو أرفع من ذلك ، وبهذا علم أن من قال بالفناء ذهاب البشرية لم يرد به ذهابها بالكلية فإنها موجودة في نفسها مع لوازمها من اللذات والآلام بل أراد أنها مغمورة بما يطرأ عليها من لذات وآلام أعظم من تلك « 4 » . ويصف الشيرازي مقام الفناء كما يراه أن هؤلاء الذين صفت نفوسهم وتجردت عن العلائق البدنية تشرق عليهم أنوار بوارق إلهية . والمقصود بالفناء عنده ألّا يحس السالك بشيء من ظواهر جوارحه ومن الأشياء الداخلة فيه والخارجة عنده ، بل يغيب عن جميع ذلك ، ويغيب عنه جميع ذلك ، ذاهبا إلى ربه أولا ثم ذاهبا فيه آخرا متحدا به « 5 » .

--> ( 1 ) ابن تيمية ، مجموعة الرسائل والمسائل ، الرسالة السابعة ، ص 167 . ( 2 ) الكلاباذي - التعرف لمذهب أهل التصوف ، تحقيق عبد الحليم محمود ، مكتبة البابي الحلبي ، القاهرة ، 1380 ه / 1960 م ، ص 126 . ويزيد الكلاباذي على معنى الفناء أن يكون فانيا عن أوصافه ، باطنا بأوصاف الحق لأن اللّه تعالى إنما يفعل الأشياء لغيره لا له ، لأنه لا يجر به نفعا ولا يدفع به ضرا ، وإنما بفعله الأشياء لينفع الأغيار أو يضرهم ، الكلاباذي ، ص 124 . ( 3 ) سورة الأحزاب ، الآية : 72 م . ( 4 ) القشيري ، عبد الكريم بن هوازن ، الرسالة القشيرية في علم التصوف ، صبيح ، القاهرة ، 1386 ه / 1966 م ، ص 62 . ( 5 ) أبو ريان ( محمد علي ) ، أصول الفلسفة الإشراقية ، ص 336 .