سهيلة عبد الباعث الترجمان

412

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

القائل بخلق العبد لأفعاله ، فالعبد ليس إلا قابل لا يملك إتيان فعل إلا إذا اكتسب قوة الفعل من فاعل ، والفاعل دوما هو اللّه ، إذ هو الفاعل لكل فعل ، ولما كان ذلك كذلك قلنا : فما معنى الثواب والعقاب في أعمال مردودة كلها إلى اللّه ؟ وكيف ينال العبد ثوابا على عمل مقدّر عليه أزلا ؟ أو ينال عقابا على عمل اقتضت طبيعة عينه الثابتة اقترافه ؟ . يجيب ابن عربي : بأن هذا مجرد تعبير عن فطر البشر وما ينشأ عنها من لذة أو ألم في الحياة الدنيا ، فليست هذه جزاء إلهيا في دار المقام ، إنما هي جزاء تسديه الطبيعة لأفعال الإنسان وتصرفاته ، فلا يحمد العبد إلا نفسه ، ولا يذم إلا نفسه ، واللّه هو الممدوح دوما لأنه يفيض الوجود على العبد « 1 » . وهكذا فالثواب اسم ناشىء في نفس المطيع ، وأن العقاب اسم للأثر الناشئ عن المعصية في نفس العاصي . واتساقا مع منطق مذهبه يميل ابن عربي إلى اعتبار الثواب والعقاب حالتين يشعر بهما الحق نفسه ، أي الحق المتعين في صورة العبد « 2 » . وبالرغم من هذا فإن ابن عربي يميل إلى أن يجعل للعبد نصيبا في تحمل تبعة أعماله ويكون مسؤولا عنها خيرها وشرها ، ولهذا حصر الأمر بالإنسان وما يصدر عنه من فعل إذ أن الطاعة والمعصية يصدران عن طبيعة الإنسان التي تخضع لقانون الوجود وهو قانون المشيئة الإلهية . ولما كانت السعادة هي الهدف من وراء ذلك كله فإن ابن عربي لم يحرم السعادة لأحد لأن الغفران من الحق جود وكرم منه ، وأدنى ما يكون إلى منطق العقل أن يتبع اللّه المغفرة للمعصية المرتكبة لقوله تعالى : و لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً « 3 » فالسعادة إذن هي قمّة الحياة الروحية التي ينشدها الصوفي ، ولا تحصل هذه إلا بتحقيق الاتصال الكامل للعبد بربه عن طريق حبه ، وهي التي صرح عنها ابن عربي بأنها تقترن بوصول العبد إلى عين القرب من اللّه حتى

--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 41 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، مرجع سابق ، ص 41 . ( انظر عبد القادر محمود ، الفلسفة الصوفية في الإسلام ، ص 513 ) . ( 3 ) سورة الزمر ، الآية : 53 م .