سهيلة عبد الباعث الترجمان
411
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
إلى أن وصلوا إلى عين القرب " « 1 » وعين القرب هي المقام الذي يسعى إليه كل سالك كي يصل إليه ، ويتحقق فيه في وحدته الذاتية مع الحق ، وهي غاية الصوفية القائلين بوحدة الوجود فهم لم يسيروا في طريقهم هذا بحكم الاختيار ، بل يساقون إليه سوقا وذلك بحكم الجبر المسيطر على كل الوجود في مذهب ابن عربي . ولذا فإن السالك الواصل إلى هذه الغاية هو مجبر على وصوله ، كما أن السالك الذي حرم الوصول إليها مجبر على الحرمان « 2 » . فالعبد على هذا النحو لا فعل له ، لأنه محل ظهور الفعل الإلهي كالحركة أو أي أمر آخر لا يصح وجوده إلا في مادة لأن الحركة لا تقوم بنفسها ، فلا بد إذن من وجود محل يظهر فيه تكوين هذا الأمر الذي لا يقوم بنفسه ، وعليه فإن للمحل حكم في الإيجاد لهذا الممكن ، ولكنه لا أثر له فيه ، ومن هنا فإن الفرق بين الأثر والحكم يبين روح الجبرية في ما يقوم به العبد من فعل . وقد تساءل ابن عربي عن نسبة الفعل إلى العبد ، فإنه منفي عنه حكما لأنه موضع لحلول هذا الفعل فيه فقط ، ولهذا ينهي عن القول غير المقرون بالفعل منعا للتبجح بالقول دون العمل ، مستندا في ذلك إلى قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ « 3 » وتبريره لذلك أن العالم العاقل لا يقول ما لا يفعل إلا بالاستثناء لأنه يعلم أن الفعل للّه لا له . كما يرتبط بالفعل الإلهي عنده مسألة الخير والشر ، فيرى أن كل ما يحدث من خير أو شر ليس هو سوى ما قدّر في الأزل بمقتضى طبيعة الوجود نفسه ، فالعبد في كل أفعاله سواء أكانت خيرا أم شرا فهو يطيع بل ويخضع بالكلية لهذه الإرادة الإلهية لأنه لا يأتي منها إلا ما يطابق إرادته الإلهية ، وهكذا الشأن في أمر الطاعة والمعصية ، فالإتيان بفعل يطابق الأمر والنّهي الإلهي كان طاعة أو خيرا وإلا كان معصية أو شرا ، ومن أجل هذا جاءت كل المعاصي والشرور بمقتضى إرادة اللّه وعلمه الأزليّين « 4 » . ويستبعد ابن عربي بهذه الصورة المميزة للإرادة الإلهية رأي المعتزلة
--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 105 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، مرجع سابق ، ص 123 . ( 3 ) سورة الصف ، الآية : 3 م . ( 4 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 98 .