سهيلة عبد الباعث الترجمان

410

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

أن الأعمال للّه خلقا ولنا إسنادا فيضيفها إلى اللّه وإلينا بوجه كما قال تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ « 1 » . وعليه يمكن القول أن إضافة الجبر إلى الممكن هي نتيجة قصور عن إدراك الحقيقة وفي قوله " أن كل مخلوق مجبور ، فكيف يحيط بالحقيقة محصورا " « 2 » وهذه صورة بيّنة عن عدم الاختيار في أمور معينة يقصدها في جبريته للممكن ، فكان هذا إمعان في الجبرية لأن العبد كما يراه محل لعمل الحق ، وهذا آخر ما يوصف به العبد من ضعف يزول معه كل أثر لعمل الإرادة الإنسانية ، لأن العبد يصبح والحالة هذه لا يلوي على شيء رغم ما يضاف إليه من تكليف العبادات التي يؤديها للحق ، وفي هذا خطابه للعبد من حيث هو عبد فيقول : " فأنت مكلف من حيث وجود عينك ، محل الخطاب ، وهو العامل بك من حيث أنه لا فعل لك ، إذ الحدث لا أثر له في عين الفعل ولكن له حكم في الفعل إذ كان ما كلفه الحق من حركة وسكون لا يعلمه الحق إلا بوجود المتحرك والساكن . . . إذا لم يكن العبد موجودا إلا الحق ، والحق تعالى عن الحركة والسكون . . . فلا بد من حدوث العبد حتى يكون محلا لأثر الحق " « 3 » ومن هنا جاء قوله بأن العالم مسيّر حسبما تيسره له الإرادة الإلهية ، وتعينه المشيئة له بقضائها وقدرها ، فلا خيار له في ما يقع له من أمور ، وهذا ما يترتب عليه قوله بتحديده للفطرة الإلهية بقوله : " الفطرة الإلهية في الخلق ما هو عليه الخلق في التصريف ، فإن العالم مسيّر لا مخيّر " « 4 » . ويقيس ابن عربي على ذلك ما سعد به أهل اللّه من العلوم الإلهية الذوقية الحاصلة فهي لا تخرج عن هذا النطاق ، فهم لم يحصلوا عليها باختيارهم إنما من حيث أن نواصيهم بيد اللّه فساقتهم الأقدار ليحلّوا فيما حلّوا فيه من عين القرب لأنهم كانوا في سعيهم على صراط الرب المستقيم فقال : " فما مشوا بنفوسهم وإنما مشوا بحكم الجبر

--> ( 1 ) سورة الصافات ، الآية : 96 ك . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب الإسراء إلى مقام الأسرى ، ( الرسائل ) ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى ، حيدر أباد الدكن ، 1367 ه / 1948 م ، ص 25 . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 450 . ( انظر الفتوحات ، تحقيق عثمان يحيى ، ص 555 ) . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص 528 .