سهيلة عبد الباعث الترجمان
402
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ومما يراه ابن عربي أن الإرادة الإلهية إنما يراد بها العناية الإلهية أو الأمر التكويني الذي يشبه في مذهبه القانون العام الذي يحكم الوجود ، وبمقتضاه يسير كل شيء في الكون ، حتى أفعال الإنسان تجري وفاقا له ، فيكون والحالة هذه أن كل ما يبدو من خير أو شر مقدّر أزلا بمقتضى طبيعة الوجود نفسه أي بما كانت عليه في ثبوتها ، وينشأ عن هذا الخير أو الشر أخيار مهتدون وأشرار ضالون ، وهذا لا يغيب عن علمه تعالى ، فهو يعلم الأشياء على ما هي عليه ، ويريدها كما يعلمها « 1 » . فأفعال الناس جميعا تصدر بمقتضى الإرادة الإلهية وإن خالف بعضها أوامر اللّه التكليفية ، كما أن فعل الإنسان يصدر عن نفسه وذلك بمقتضى طبيعته والقوانين التي تحكمه ، وهي منذ الأزل ثابتة في علمه تعالى غير متغيّرة ، حتى أن اللّه نفسه لا يملك تغييرها لما اقتضته مشيئته وإرادته أزلا ، وإذا اختار العبد فعلا من الأفعال الممكنة فاللّه يريده منذ الأزل . وهكذا فإنا نرى أن عناية اللّه قد اقتضت أن تحقق أفعال الناس على نحو ما استقر في أعيانها الثابتة ، بمعنى أن الإنسان إذا أتى خيرا جاء هذا عن استعداده الأزلي لإتيان الخير ، وإذا أتى شرا صدر هذا عن استعداده لإتيان الشر . وجنى العبد في الحالين ثمرة علمه أي ثمرة ما فطر عليه منذ الأزل « 2 » . والجدير بالذكر أن العبد في كل أفعاله وما يصدر عنه سواء كان عمل خير أم شر ، فهو يطيع الإرادة الإلهية لأنه لا يأتي منها ما يطابق إرادته الإلهية ، فإن أتى فعلا طابق الأمر الإلهي أو النهي الإلهي كان طاعة أو خيرا وإلا كان معصية أو شرا . ومن أجل هذا جاءت كل المعاصي والشرور بمقتضى إرادة اللّه وعلمه الأزليين « 3 » . وهذا يناقض رأي المعتزلة : فيما رأوه أن الإنسان خالق لأفعاله ، وقد بين النسفي حقيقة قولهم قائلا : قالت المعتزلة أفعال العباد كلها مخلوقات للعباد ، والعبد هو الذي يخلق فعل نفسه ، خيرا أو شرا ، لأن العبد عندهم مستطيع باستطاعة نفسه قبل الفعل ، ولا يحتاج إلى الاستطاعة والقوة من اللّه تعالى ، وإذا كان العبد مستطيعا باستطاعة نفسه قبل الفعل
--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 118 . ( انظر أبو العلا عفيفي في التعليقات ، ص 62 ) . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 41 . ( انظر أبو العلا عفيفي في التعليقات ، ص 163 ) . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 98 . ( انظر أبو العلا عفيفي في التعليقات ، ص 103 ) .