سهيلة عبد الباعث الترجمان
403
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فأفعاله له مخلوقة من جهته « 1 » ، لذلك يرى المعتزلة أن ما يصدر عن اللّه فعل واحد ، وهو مصلحة وخير فقط ، وهذا ما أشار إليه الكعبي في مقالاته : " أن اللّه لا يحب الفساد ولا يخلق أفعال العباد " « 2 » . أما غير ذلك فلا يصدر عنه . ورغم ما نسبه المعتزلة للإنسان من إرادة واختيار ، وأنه خالق لأفعاله خيرها وشرها ، فإن موقفهم من مشكلة الجبر والاختيار هو مضاد لهذا الموقف ، فيذهب الجهم بن صفوان إلى نفي القدرة عن الإنسان أصلا فقال : إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة ، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ، ولا إرادة له ، ولا اختيار ، إنما يخلق اللّه تعالى فيه الأفعال على حسب ما يخلق في سائر الجمادات ، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات « 3 » ، فكل شيء عند الجبرية مقدر أزلا ، وهم يستندون في ذلك إلى شواهد نقلية فيقولون ، ليس للعبد استطاعة ، والعبد مجبور على الكفر والإيمان ، يدل عليه قوله تعالى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ « 4 » . ويقارن ابن عربي بين الإرادة الإلهية والمشيئة الإلهية وما يترتب على كل منها من نتائج ، وما بينها من مباينة وتمايز في متعلقاتها ، إذ أن ما يريده اللّه غير ما يشاؤه ، فمتعلق الإرادة يشتم منه رائحة الجبر ، على حين يظهر الاختيار مع المشيئة فيقول : " إن الإرادة تعلّق المشيئة بالمراد ، وهو قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ « 5 » هذا تعلق المشيئة . وقد ذهب بعض أهل الطريق إلى أن المشيئة هي عرش الذات . . . أي بالذات ظهر كون المشيئة ملكا لتعلّق الاختيار بها ، فالاختيار بالذات من كونها إلها فإن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، وهو التردد الإلهي في الخبر
--> ( 1 ) النسفي ( أبو المعين ) ، بحر الكلام ، بمجموعة الرسائل ، مطبعة كردستان ، 1329 ه / 1911 م ، ص 40 . ( 2 ) الكعبي : ( كتاب ) المقالات في فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ، تحقيق فؤاد السيد ، ص 63 . ( 3 ) الشهرستاني ، الملل والنحل بهامش الفصل لابن حزم ، تحقيق سيد كيلاني ، الجزء الأول ، القاهرة ، سنة 1961 ، ص 87 . ( 4 ) سورة النساء ، الآية : 129 م . ( 5 ) سورة النحل ، الآية : 40 ك .