سهيلة عبد الباعث الترجمان

401

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

واحدة بعيدة عن الثنوية ، فلا يقارب رأي الأشعرية الذين يقولون بأن اللّه خالق للإنسان وأفعاله ، ولا رأي الجهمية التي تفترض وجود قوة عليا مسيرة للعالم وهي " اللّه " ، ولكن جبريته مؤداها أن نظام الوجود القائم وما طبعت في جبلّته من قوانين ليست إلّا قوانين إلهية وطبيعية معا ، وهي التي تقرر مصير العالم في كل لحظة ، فالتسليم بهذه القوانين دفع الصوفي إلى الرضى المطلق لقضاء اللّه وقدره . ومحاولته التخلّص من ربقة العبودية الشخصية ليحقق في نفسه الوحدة الذاتية مع الحق « 1 » ، إذ لا يتأتى للعبد أي تصرف من ذاته بل عن أمر إلهي لأن كل شيء مقيد بما كانت عليه عينه في حال ثبوتها ، ولا يستطيع الفكاك عنه ، فكل شيء يجري بمقتضى قانون الجبرية الأزلية فيقول : " فمتى تصرّف العارف بالهمة في العالم فعن أمر إلهي وجبر لا باختيار " « 2 » . فيقتضي هذا الاعتقاد بأن كل إنسان يولد عاصيا أو مطيعا شريرا أو خيّرا ، وفقا لما طبعت عليه عينه الثابتة في العلم القديم « 3 » وهكذا فكل شيء في عالم هذا الإنسان يخضع لقانون الجبرية الأزلية ، حتى الاعتقادات والطاعات والمعاصي والتصرّف بالعقل في العالم وعدم التصرف فيه . والرضى المطلق بالقضاء والقدر لدى الصوفي ناشئ عن قناعته الخاصة بما وجد عليه في علم الحق ، ويفرق بين معنى القضاء والقدر الذي هو تعيين وقوع شيء على ما هو عليه في وقت محدد ، وأن القضاء يتمثل في حكم اللّه بأن تكون الأشياء على ما هي عليه في ذاتها على نحو ما عرفتها منذ الأزل « 4 » . إذن فكل شيء وجد على الصورة التي وجد عليها في عينه الثابتة ، لذلك فإن اللّه لا يغير من ذلك شيئا ، لأن إرادته تقصر عن المستحيل ، ولهذا قال عزّ وجل : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 5 » وقوله : وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ « 6 » .

--> ( 1 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، تعليقات على الفصوص ، ص 22 . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 129 . ( 3 ) الطويل ( توفيق ) ، مقال عن فلسفة الأخلاق الصوفية عند ابن عربي ، الكتاب التذكاري لمحي الدين بن عربي ، الهيئة المصرية العامة للنشر ، دار الكاتب العربي ، مصر ، 1389 ه / 1969 م ، ص 165 . ( 4 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 155 . ( 5 ) سورة النحل ، الآية : 118 ك . ( 6 ) سورة ق ، الآية : 29 ك .