سهيلة عبد الباعث الترجمان
391
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وحقيقته لأن به ينكشف معنى الوجود ، ومعنى شيئية الأشياء ، وكيف ظهرت ، وعلى النحو الذي ظهرت عليه ، كذلك تنكشف به الصلة بين الحق وبين هذا النظام الوجودي الذي نسميه بالعالم ، لذلك يعتبر سرّ القدر هو القانون المتحكم في الوجود . وفيه يقول شعرا : فالكل مبتدع في عين موجده * والحق مبتدع لما بدا فظهر فالعين ثابتة والذات ثابتة * وكون إبداعه لما أتى فنظر ، فما بدت صور إلا لها سور * منها ومنه فبالمجموع كان أثر « 1 » وهكذا نرى أن ابن عربي متسق مع منطق مذهبه ، إذ يجعل الوجود أثرا لوجهي الحقيقة الوجودية الواحدة ومظهرا له ، فأثر الحق وأثر الخلق ظاهران في صور الموجودات التي هي تجليات أو تعينات الحق تعالى . والذات قديمة فهي ثابتة في القدم . كذلك العين ثابتة في علمه منذ القدم . وهو في موقفه هذا بعيد كل البعد عن موقف المتكلمين والفلاسفة المعتمدين على العقل والنظر دون الكشف ، فإذا كان المتكلمون يرجعون أمر الخلق إلى الانتقال ، وأهل الفكر يرجعونها إلى التعلقات ، فإن ابن عربي يرجع الأمر كله إلى الكشف الذوقي والمعرفة الوجدانية القائمة عليها يقول : " أما انتقالات العلوم الإلهية فهي الاسترسال الذي ذهب إليه أبو المعالي إمام الحرمين ، والتعلقات التي ذهب إليها محمد بن عمر بن الخطيب الرازي ، أما أهل القدم الراسخة من أهل طريقتنا فلا يقولون هنا بالانتقالات ، فإن الأشياء عند الحق مشهودة معلومة ، والأحوال على صورها التي تكون عليها ، ولها إذا وجدت أعيانها إلى ما لا يتناهى ، فلا تحدث تعلق على مذهب ابن الخطيب ، ولا يكون استرسال على مذهب إمام الحرمين . والدليل العقلي الصحيح يعطي ما ذهبنا إليه ، وهذا الذي ذكره أهل اللّه ووافقناهم عليه يعطيه الكشف من المقام الذي وراء طور العقل ، فصدق الجميع " « 2 » . وعلى الرغم من قول ابن عربي بإمكان العالم وحدوث كل جزء من أجزائه ، فإن بعضهم ينفي عنه هذا القول لأن مذهب وحدة الوجود كما يرون يقتضي عدم القول
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 406 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 210 .