سهيلة عبد الباعث الترجمان

390

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

إيمانه بموقفه من حكم القضاء ودوره في عملية الخلق فقد كان ابن عربي يردّ أمر كل موجود إلى قضاء اللّه ، حيث أن اللّه قضى بأمر هذا الوجود للخلق ، ولكن اختلف في أمر ذلك : فمن قائل بنفيه وسبق وجود الأعيان له ، ومن قائل به وأنّ به وجدت الأعيان ، ولهذا اعتبر ابن عربي " أن كل ما هو العالم فيه قضاء ، فلا شيء أوسع من قضاء القضاء ، ويعني عين ما ظهر فيه القضاء : هل هو من حكم القضاء أم لا ؟ فمن جهل الأعيان الثابتة لم يجعل العين التي ظهرت فيه أحكام القضاء من أحكام القضاء ، ومن علم أنّ أعيان الموجودات لها ثبوت في حال عدمها وتميز بجميع ما هي عليه جعل حكم القضاء على تلك الأعيان ، فجرى عليها بالإيجاد فأوجدها ، فكما جرى حكم القضاء على كل ما هو في الوجود من الأعيان بما هي عليه من التعريف ، كذلك جرى حكم القضاء على الأعيان الثابتة بما ظهر من وجودها " « 1 » . ويميز ابن عربي بين القضاء والقدر ، فالقدر هو تعين حدوث شيء من الأشياء على نحو ما هو عليه في عينه الثابتة في وقت معين ، على حين أن القضاء هو حكم اللّه في الأشياء أن تكون على النحو الذي قدّر لها أن تكون عليه ، وبهذا سبق القدر القضاء ، ولكن اللّه ينفذ حكمه في الأشياء بحسب علمه بها ، وعلمه بها راجع إلى ما تعطيه الأشياء نفسها مما هي عليه في ذاتها ، فكان القضاء والعلم تابعان للمعلوم . وقد اعتبر ابن القيّم فكرة ابن عربي " أن علم اللّه في الأشياء على ما أعطته المعلومات مما هي عليه في نفسها " أن في هذا نسبة الجهل إلى اللّه تعالى ، فيرى أن المقرر في عقائد المسلمين أن علم اللّه ذاتي لا يستفيده من شيء آخر ، على حين كان موقف ابن تيمية موقف المنكر على ابن عربي ما قال به من الأعيان الثابتة في العدم ، بل اعتبره قولا باطلا . ولكن ابن عربي يرى أن سرّ القدر من أجلّ العلوم لأن العلم به يعطي الراحة الكلية للعالم به . ويرجح أبو العلا عفيفي أن سرّ القدر هذا لديه إمّا الأعيان الثابتة للموجودات الحاصلة في الأزل من العلم القديم ، أو كون الموجودات تظهر في وجودها على نحو ما كانت عليه في ثبوتها " « 2 » . فالعلم بسر القدر إذن هو العلم بسرّ الوجود

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 545 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، ص 165 .