سهيلة عبد الباعث الترجمان
385
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
العارفين ، فلا يعلم غيرهم ما أريدت له هذه الموجودات لما خصهم به الحق من الفهم في أموره ، والتمييز بينه وبين خلقه بما يشهدون فيه من قيام الموجودات به حيث له القيّومية على أعيان الموجودات بما هي عليه من الكسب ، إذ هو القائم على كل نفس بما كسبت و كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ « 1 » وفي ذلك يقول : " فلو لا الحق ما تميزت الموجودات بعضها عن بعض ، ولكان الأمر عينا واحدة كما هو واحد العين ، فإن الآحاد كلها عين واحدة من حيث إنسانيتها . . . لذلك لم تزد كلمة الحضرة في كل كائن عنها على كلمة " كن " شيئا آخر ، بل انسحب على كل كائن عين " كن " لا غير ، فلو وقفنا مع " كن " لم نر إلّا عينا واحدة ، وإنما وقفنا مع أثر هذه الكلمة وهي المكوّنات ، فكثرت وتعددت وتميزت بأشخاصها " « 2 » . وهذا عين ما أشار إليه الصدر القونوي في متابعته لابن عربي في إظهار حقيقة الوجود حيث قال : " بأن الوجود في حق الحق عين ذاته ، وفيمن عداه أمر زائد على حقيقته " « 3 » فحصر بذلك القول بأن الوجود هو للحق فقط دون مشاركة له من الموجودات التي هي تعيناته ، أو كما يسميها " الأعيان الثابتة " في علمه ، ذلك أن حقيقة كل موجود هي عبارة عن نسبة تعيّنه في علم ربه أزلا ، ويسمى في اصطلاح المحققين عينا ثابتة ، وفي اصطلاح غيره ماهيّة ، والمعلوم المعدوم ، والشيء الثابت ونحو ذلك . وقد يتوهم من قول ابن عربي بالأعيان الثابتة في العلم الإلهي أنّ لها القدم وأنها تشارك الذات في قدمها . وهذا تناقض لا يقبله منطق ابن عربي ولا يتسق مع طبيعة مذهبه إذ أنه يؤكد حدوث هذه الأعيان وخلقها وإيجادها ، وإن كان ينفي الخلق من العدم المحض أو العدم المطلق ويثبت الخلق من العدم الإضافي أو النسبي فقط ، ولكنه يعود فيؤكد فكرة خلق هذه الأعيان بالأمر الإلهي " كن " فيقول : " فالأعيان من كل ما سوى اللّه مخلوقة ، موجودة ، حادثة ، والعبادة فيها ليست بمخلوقة ، فإنها لهذا الأعيان ، أعني أعيان العالم في حال عدمه وفي حال وجوده ، وبها صح له أن يقبل أمر اللّه
--> ( 1 ) سورة المدّثر ، الآية : 38 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 374 . ( 3 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، مصدر سابق ، ص 305 .