سهيلة عبد الباعث الترجمان
384
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فوجودها إذن هو وجود بالقوة ، وهي مفتقرة في وجودها إلى موجد يوجدها فتصير بالفعل ، وذلك بفعل الإرادة الإلهية ، وكلمة " كن " ، أي الحضرة التكوينية ، فاتصاف الممكنات بالوجود على هذه الحالة هو ظهور الحق بأعيانها ، وذلك باستفادتها الوجود من اللّه من حيث وجوده ، ولهذا فإن الممكنات جميعها في أعيان ثابتة في علمه تعالى . فما حكمها ؟ وكيف أوجدها الحق ؟ ما حال العالم معها ؟ . - الأعيان الثابتة : تعتبر فكرة الأعيان الثابتة من الأفكار البارزة في تصوف ابن عربي ، وقد استخدمها ليوضّح بها تصوره للوجود على الحقيقة وهو " اللّه " وطريقه في ذلك هو الكشف حيث يرى بأن الحق نفسه كان الدليل على نفسه وعلى ألوهيته ، والعالم ليس إلّا تجليه في صور أعيان الموجودات الثابتة التي يستحيل وجودها دونه " فهو يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها ، ويكون هذا بعد العلم منا بأنه إله لنا " « 1 » وهذه المعرفة كما يراها ليست معرفة عامة بل هي معرفة خاصة بالعارف الكامل ، وهي المعرفة باللّه لهذا النوع الإنساني فإنه " يعلم أن عين الحق هو المنعوت بالوجود ، وأن أحكام الأعيان العالم هي الظاهرة في هذا العين أو هو الظاهر بها " . « 2 » وعليه فإن الكلمات جميعها هي الموجودات التي تعينت بالفعل بعد أن كانت كامنة بالقوة ، وهي التي يعنيها ابن عربي بالأعيان الثابتة ، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها في العلم الإلهي ، وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها الكوني . لذلك ربط بين وجود الموجودات ووجود الأعيان إذ أن وجود الموجودات لا يدرك إلا عن طريق إدراك الأعيان الثابتة في العلم الإلهي ، فاللّه يعلمها قبل وجودها ، فكان علمه بها قديم فيقول : " لولا أعيان الموجودات ما عقلناها ، كذلك هي المادة لجميع الموجودات ظهرت بكمالها بظهور الموجودات " « 3 » . وعليه فالعلم كله لا يعرف من الموجودات التي هي كلمات اللّه سوى أعيانها خاصة . ويقصر ابن عربي معرفة ذلك على فئة معينة من
--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 81 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 142 . ( 3 ) ابن عربي ، إنشاء الدوائر ، ص 26 .