سهيلة عبد الباعث الترجمان

383

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

العيني ولا الذهني ، وهذه حالة العدم لأن واجب الإمكان معدوم ذهنا وعينا ، وموجبه يتقدم عليه ويختاره ، ونفي ذلك يلزم ثبوت المعيّة . وما يراه ابن عربي في هذا المجال أنه من المحال تصوّر كيفية إحداث المحدث في الوهم ممن يروم ذلك ، إذ ليس له وسيلة للاطلاع على ذلك لأنه فوق طور العقل « 1 » . ولما كانت الذات الإلهية لها القدم ، فينبغي أن يبعد عنها فكرة مشاركة الموجودات لها في هذه الصفة لأنها صفة ذاتية ، على حين أن الموجودات جميعها حادثة ولها أصلها في العدم . وقد أشار ابن عربي إلى هذا الأمر باعتبار الموجودات ممكنات لم تظهر إلى الوجود إلّا بكونها قابلة له ، على حين أن الحق له الاقتدار على هذا الإيجاد لماله من صفة الوجود المرجّح على العدم . وفي ذلك مخالفة لآراء المتكلمين والحكماء في هذا المجال فلا يكتسب الوجود إلا من كونه قابلا والحق مقتدرا . ولو زال القبول من الممكن لكان من المحال أن يقبل الإيجاد . يقول : " لو لم يكن اقتدار الحق لما وجد عين هذا المعدوم الذي هو الممكن ، فلم تظهر الأعيان المعدومة للوجود إلّا بكونها قابلة ، وكون الحق قادرا ، فظهرت الأعيان . . . فكما أن الممكن لا يزال قابلا والحق لا يزال مقتدرا ومريدا ، فيحفظ الممكن بقاء الوجود إذ له من ذاته العدم . . . فهذا الأمر أصل ضلال العقلاء وهم لا يشعرون لم لم يعقلوه ، وهو سرّ من أسرار اللّه تعالى ، جهله أهل النظر ، وفي هذه المسألة يتبين لك قدم الحق وحدوث الخلق ، لكن على وجه غير الذي يعقله أهل الكلام ، وعلى غير الوجه الذي يعقله الحكماء باللقب لا بالحقيقة . فإن الحكماء على الحقيقة هم أهل اللّه الرسل والأنبياء والأولياء ، إلّا أن الحكماء باللقب أقرب إلى العلم من غيرهم حيث لم يعقلوا اللّه إلها ، وأهل الكلام من النظّار ليسوا كذلك " « 2 » . وخلاصة القول أنه بالرغم من قول ابن عربي بالممكنات أو الموجودات كتعينات للذات الإلهية إلا أنه لم يجعل لها ظهورا عينيا أو شهاديا في العالم الخارجي أيّ وجود حقيقي ، إنما جعل وجودها وجودا علميا فقط ، أي أنها ثابتة في العلم الإلهي ،

--> ( 1 ) ابن عربي ، شجون المسجون ، ورقة 20 ، ص أ . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 113 .