سهيلة عبد الباعث الترجمان
382
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يكون الارتباط على التقريب ، إذ العبارة لا تسع أكثر من هذا في هذه المسألة ، وهذا مذهب ثالث لاح بين القدماء والأشاعرة فانتفى القدم عن العالم ، ولا يقول به القدماء ، وانتفى التقدير الوهمي الذي تقدّره الأشاعرة بين الحق والخلق ، ويثبت الحدوث والافتقار ، وثبت العدم للخلق في وجود الباري " « 1 » . ويستدل من هذا القول على نفيه الكامل لقدم العالم والإقرار بحدوثه بطريقة مطلقة . كما يرجع خطأ الفلاسفة هذا إلى تأويلهم لآيات الكتاب المبين إذ حكي عنه أنه قال : عملت على الاطلاع على السبب الذي من أجله دخل الغلط على الفلاسفة ، فرأيت أن الغلط إنما دخل عليهم من التأويل فهم لا يأخذون إلا عن إدريس عليه الصلاة والسلام ، وهو معصوم بلا شك ، وعلمه باللّه تعالى وبأحكامه ، فدخل عليهم الغلط من قبل أنفسهم لا من قبل إدريس . فإن علماءهم صاروا يؤولون كل شيء بلغهم مما تتوقف فيه عقولهم ، فاختلفوا في معناه كما اختلف علماء الإسلام في تأويل شريعتهم ، فأحلّ هذا شيئا وحرم الآخر على قدر فهمه « 2 » . وجملة القول أن ما يراه ابن عربي هو أن العالم ممكن وكل جزء منه حادث وهو ليس مرتبة واجب الوجود لنفسه ، وإنما هو واجب الوجود بغيره ، إذ الخالق يطلب مخلوقا وذلك تصديقا لقول الغزالي أنه ليس ثمّة إلا رتبتان " قدم وحدوث " . فالحق تعالى له رتبة القدم والمخلوق له رتبة الحدوث ، فلو خلق تعالى ما خلق فإنه لا يخرج عن رتبة الحدوث مطلقا . ولما كان مذهب وحدة الوجود يقتضي عدم القول بالممكن في مقابل الواجب لزم ذلك أن يفرّق ابن عربي بين مرتبة الإمكان ومرتبة الوجوب ، فوجد أن لا ممازجة بينهما ، بل إن الممكن في حالة إمكانه يكون موطنه العدم ، ولا تبديل له إلا بفعل الاغتراب ، فيخرج إلى الوجود ويتصف بهذه الصفة ، على حين يتحدث عن موجودات بالقوة فيشير بذلك إلى مرتبة الإمكان حيث أن الممكن بذاته موجود في الأذهان لا يخرجه إلى الأعيان إلا فاعل مختار ، فهو في الأذهان واجب الإمكان لا واجب الوجود
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب المسائل ( الرسائل ) ، ص 22 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص . ص 32 - 33 .