سهيلة عبد الباعث الترجمان

377

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

محال . كما قال أبو العباس بن العريف في " محاسن المجالس " التي تعزى إليه " ليس بينه وبين العباد نسبة إلا العناية ، ولا سبب إلا الحكم ، ولا وقت غير الأزل ، وما بقي فعمي وتلبيس " « 1 » . وهكذا تباينت الحقائق واختلفت رغم أنها نسبت إلى عين واحدة ، ولهذا باينهم - الحق - بقدمه - كما باينوه - الخلق - بحدوثهم . فالعبد من ناحية له ثلاثة أحوال ينفرد بها عن الحق ، حالة مع نفسه ، وحالة مع اللّه تعالى ، وحالة مع العالم ، ولذا فالباري سبحانه وتعالى مباين لنا في هذا لأن له حالين فقط : حال من أجله ، وحال من أجل خلقه ، وبهذا تباينت الحضرتان لعدم مشاركة العبودية للربوبية في الحقائق « 2 » . فإذا كان هذا شأن العالم في حدوثه ، فما شأن الإنسان في هذا المجال ؟ فهل هو قديم مشارك للذات في قدمها ، أم أنه حادث أخرجه الحق من العدم كما سبق البحث في هذا المجال ؟ . يذهب ابن عربي في إظهار حقيقة ذلك إلى أبعد مما ذهب إليه غيره من الحكماء والمتكلمين ، فبعد أن بيّن وأثبت لنا قدم الحق وحدوث الخلق على وجه غير الوجه الذي يعقله هؤلاء ويقرّون به ، وهم من عناهم بأهل الكلام والحكماء من الفلاسفة ، ميز الإنسان الحادث عن القوة التي أوجدته ، وهي قديمة بذاتها ، واجبة لذاتها غير محتاجة لغيرها ، فوصف هذا الإنسان بقوله : " هو الحادث الأزلي والنشىء الدائم الأبدي " « 3 » ، فجمع هنا بين الحدوث والقدم في الإنسان ، وهو ما يريد به العالم ، لأن الإنسان كما يراه هو العالم الأصغر والعالم هو الإنسان الأكبر . وقد حمل الشيخ داوود القيصري هذا المعنى على قدم الأرواح ، فيرى في قوله : " الإنسان حادث " يعني في وجوده الخارجي . " وأزلي " يعني في وجوده العلمي الإلهي لأن جميع الموجودات لها وجود قبلي وثبوت في علمه تعالى ، وليس مراد الشيخ - كما يقول القيصري - غير هذا : " ألا تراه قد صرح بذلك في الفص الموسوي فقال : لا تبديل لكلمات اللّه ، وليست كلمات اللّه سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها ، وينسب إليها

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 119 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 66 . ( 3 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الآدمي ، ص 50 .