سهيلة عبد الباعث الترجمان

373

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

لا طاقة للمحدث على حمل مجال القديم كما لا طاقة للأنهار بحمل البحار ، فإن البحر يفني أعيانها سواء وردت عليه أو ورد البحر عليها ، ولا يبقى لها إنما يشاهد ولا يميز « 1 » . فهذه الصورة التشبيهية لدى ابن عربي يتمثل فيها مدى قصور الخلق واحتياجه إلى الحق إذ لا قدرة له على إيجاد نفسه لإمكانه ، فالممكن محتاج دوما إلى موجد يوجده لافتقاره الذاتي إلى الإيجاد ، فإن الأمر راجع أبدا إلى الواجب الذي هو غني عن العالمين . ويبين لنا صفة هذا الارتباط بين القديم والمحدث ومدى افتقاره إليه فيقول : " لا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه وافتقاره ، ولا بد أن يكون المستند إليه واجب الوجود لذاته ، غنيا في وجوده بنفسه ، غير مفتقر وهو الذي أعطى الوجود بذاته لهذا الحادث فانتسب إليه ولما اقتضاه لذاته كان واجبا به ، ولمّا كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون على صورته فيما نسب إليه تعالى في كل شيء من اسم وصفة ما عدا الواجب الذاتي ، فإن ذلك لا يصح للحادث وإن كان واجب الوجود ، ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه " « 2 » . وكل هذا نسبة إلى التباين القائم بين الحق والخلق ، بين اللّه والإنسان من وجوه شتى : فمن وجه أوّلي كونه تعالى محدثا - بكسر الدال - والعبد محدثا - بفتح الدال - وكونه تعالى غنيا والعبد مفتقرا ، كذلك فإنه تعالى معطي الوجود والعبد معطاه ، ثم إنه تعالى واجبا والعبد ممكنا . وكونه تعالى واجب الوجود لذاته ، والعبد لغيره ، فالاستناد إلى من ظهر عنه الحادث كما يراه يقتضي أن يكون الحادث على صورته ، والمراد بالصورة هنا الصورة المعنوية المعقولة الصفاتية وهذا يعني أن يكون الحادث على صورة المحدث له فيما ينسب إليه ، تعالى من وصف أو اسم لأن الظاهر في الحادث انعكاس أنوارها ورسوم آثارها ما عدا الوجوب الذاتي ، لأن هذا لا يصح في حق الحادث وإن كان واجب الوجود ، فوجوده ليس بذاته بل بغيره « 3 » . وهكذا

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 98 . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص . ص 52 - 53 . ( 3 ) البرزنجي ، مصدر سابق ، ص 88 .