سهيلة عبد الباعث الترجمان

367

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

العدم هو العدم المحض وليس العدم الإضافي أو العدم المطلق الذي ينتفي معه وجود أي شيء عنه ، فالأعيان التي ذكرها هنا ليست سوى الممكن القابل للوجود بالتجلي والإيجاد من العدم الإضافي لأن العدم فيه أقوى من الوجود ، فهو أقرب نسبة إلى العدم منه إلى الوجود ، ولذلك سبق بالترجيح على الوجود في الممكن . وكذلك فإنّ العدم حضرته لأنه الأسبق والوجود عارض ، وهذا ما يثبت الدوام والاستمرارية للحق في إيجاد الخلق ، وذلك لتلازم العدم للممكن وأنه سابق على الوجود . وقد وصف الحق بديمومته وخلقه المستمر وذلك تبعا للمشيئة الإلهية ، فالحق إذن خلّاق على الدوام لأن العدم يحكم على صور الممكنات بالذهاب والرجوع إليه رجوع ذاتي فيكون حكم العدم والحالة هذه متوجّه على ما وجد من الصور . وأما قوله على تعلق ذلك بالمشيئة الإلهية فيرى أنه سرّ من الأسرار الإلهية نبّه عليه تعالى بقوله : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ « 1 » وذلك من باب الإشارة إلى غوامض الأسرار لأولي الأفهام ، إنه عين كل منعوت بكل حكم من وجود وعدم ووجوب وإمكان ومحال ، فما ثمّ عين توصف بحكم إلا وهو ذلك العين " « 2 » . كما تنطبق على هذا الخلق صيغة النفي لقوله : " إن العالم بأسره مبدع من لا شيء ، ولا يقال من عدم لئلا يظن أنه شيء بل العدم سابق لكل شيء من العالم " « 3 » . فالعدم هنا إذن ليس شيئا زائدا على الموجود ، إنما هو نفي وجود عين ذلك الشيء ، كما يرى بأن الوجود نفسه ليس بشيء زائد إنما هو إثبات وجوده في عينه ، وعليه فإن الوجود والعدم عبارتان عن إثبات " عين الشيء ونفيه " . ولما كان العدم نسبيا بهذا المفهوم أي إضافي ، وكذلك الوجود ، فإنه يشير إلى ما يحتمله الشيء بعد إثبات وجوده أو عدمه ، إذ يجوز عليه الاتصاف بالوجود والعدم معا كما يقول . وذلك " بالنسبة والإضافة " يقول : " فيكون زيدا الموجود في عينه موجودا في السوق معدوما في الدار ، فلو كان العدم والوجود من الأوصاف التي ترجع إلى الموجود كالسواد والبياض لاستحال وصفه بهما معا . وهذا ما ينفي فعل الوهم والتخيل

--> ( 1 ) سورة فاطر ، الآية : 16 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 600 . ( 3 ) ابن عربي ، شجون المسجون ، لوحة 22 .