سهيلة عبد الباعث الترجمان

352

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وهكذا يسير ابن عربي قدما في مذهبه فيرى أن العين الوجودية واحدة مهما تعددت وجوهها ، وتجلي الحق لا نهاية له عنده يقول : " فإن صور التجلي ما لها نهاية تقف عندها ، فالأمر لا يتناهى من الطرفين ، هذا إذا قلت حق وخلق ، فإذا نظرت في قوله كنت رجله التي يسعى بها ويده التي يبطش بها ولسانه الذي يتكلم به إلى غير ذلك من القوى ومحلها الذي هو الأعضاء لم تعرف فقلت الأمر حق كله أو خلق كله ، فهو خلق بنسبة ، وهو حق بنسبة والعين واحدة ، فعين صورة ما تجلى عين صورة من قبل التجلي ، فهو المتجلي والمتجلّى له " « 1 » . وما دام الخلق سلسلة من التجليات الإلهية ، وكل حلقة منها ابتداء ظهور صورة من صور الوجود واختفاء صورة أخرى وهو الفناء ، ويكون في الوقت ذاته عين ظهورها في صور تجليات إلهية أخرى وهو البقاء ، فهل يقتصر وجود الخلق على تجلي الحق له فقط كي يوجد ؟ أليس للمشيئة الإلهية دورها في هذا الإيجاد ؟ وهل لإرادة الحق أثر في إيجاد الخلق بالتجلي والظهور ؟ . - المشيئة الإلهية : يفرد ابن عربي للمشيئة الإلهية دورا هاما في فعل الخلق ووقوعه ، فمما يراه أن فعل الخلق لا يتم إلا بالمشيئة الإلهية إن شاءت أوجدت وإن لم تشأ فلا خلق ولا إيجاد . ولما كانت الألوهية لها أحكامها ونسبها وإضافاتها ، فإنها معنيّة بأمر الخلق والإيجاد ، فتكون والحالة هذه لها شأنها في وجود العالم إذ أنه لا تحقق للخلق ولا تقرير للأشياء إلا بالمشيئة الإلهية فلها التصرف والحكم ، بل الأمر بيدها أولا وآخرا ، فبإرادة اللّه ومشيئته حصل وجود العالم بعد أن لم يكن ، يقول : " أنظر في وجود الخلق تجده عن إرادة الحق " « 2 » ويتمثل ذلك في قوله : " لما شاء الحق من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله لكونه متصفا بالوجود ، ويظهر به سرّه إليه فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ، فإنه يظهر له نفسه في صورة

--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الشعيبي ، ص 121 . ( 2 ) الشعراني ، الكبريت الأحمر ، ص 20 .