سهيلة عبد الباعث الترجمان
353
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يعطيها المنظر فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له ، وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوّى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوّة " « 1 » . ويرى القاشاني في معنى المشيئة الإلهية هنا وعلاقتها بالخلق بأنها اقتضاء الذات لما يقتضيه العلم ، فهي لازمة لجميع الأسماء لأن كل اسم إلهي هو الذات مع صفته ، فمقتضى الذات لازم لكل اسم ، ولهذا قال من " حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء " ، أي لما شاء مشيئة أزلية نافذة في جميع الأسماء بحسب تطلّب الكل أي الذات مع جميع الأسماء ( أن يرى أعيانها ) بظهورها ، وظهورها اقتضاؤها لوجود العالم مع ما فيه حتى الإنسان ، ولهذا قال ( وإن شئت قلت أن يرى عينه ) لأن أعيانها عينه باعتبار كثرة التعينات والنسب ، فالوجود الحقيقي المطلق المقوّم لكل شيء الذي هو الحق تعالى إذا ظهر في الممكن تقيّد به وتخصص بالمحل فكان ممكنا من حيث التخصيص والتقييد « 2 » . ويزيد أبو العلا عفيفي على ذلك بأن الحق شاء أن يرى أعيان أسمائه أي أن يرى تعيناتها في الوجود الخارجي ، فظهر في الوجود ما ظهر وعلى النحو الذي ظهر عليه ، وكشف عن الكنز المخفي الذي هو الذات المطلقة المجردة عن العلاقات والنسب والإضافات ، وشاء الحق أن تظهر أعيان أسمائه في صورة جامعة شاملة تحصر صفات الموجودات كلها في نفسها فخلق الإنسان ، ذلك الكون الجامع الذي ظهرت فيه حقائق الوجود من أعلاه إلى أسفله « 3 » . والمشيئة والإرادة يستعملان في اللغة على سبيل الترادف كما يستعملان بمعنيين مختلفين في اصطلاح ابن عربي والحلاج من قبله ، فهما من ناحية أنهما صفتان للذات الإلهية متحدتان ، ولكنهما مختلفتان من حيث الفعل ، فالمشيئة مرادة للغاية الإلهية . والأمر الإلهي التكويني الذي يتعين به كل شيء على نحو ما هو عليه ، في حين أن الإرادة صفة يتعين بها وجود شيء من الأشياء أو عدمه بعد إيجاده . فالمشيئة إذن في مذهب ابن عربي الجبري أشبه شيء بالقانون العام للوجود ، أو بمجموعة
--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الآدمي ، ص 48 . ( 2 ) القاشاني ، مصدر سابق ، ص . ص 8 - 9 . ( 3 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، مرجع سابق ، ص . ص 6 - 7 .