سهيلة عبد الباعث الترجمان
343
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فالتجليات بمعناها الكامل لدى ابن عربي إذن هي الخلق والإيجاد الدائم ، ذلك أن للحق تعالى تجليين : تجلي في رتبة الإطلاق وتجلي في رتبة التقييد بعد خلق الخلق ، وكذلك هو ظهور الحق في الصور المتعددة ، ولكن هذا الظهور للذات لا يتكرر إذ أن الحق يتعالى عند المحققين أن يتجلى في صورة واحدة مرتين لأنه لا يتجلى في نفس الشيء تجليين ولا يتكرر مرتين ، وذلك للإطلاق الذي هو عليه « 1 » ولهذا يمكن القول بأن مظاهر الوجود المتكثّرة وصوره المتعددة ليست إلا طائفة من المجالي التي تتجلى فيها الذات بحيث لا يشهد المتحقق بالشهود مظهرا منها إلا ويشهد الذات فيها . كما يرى بأن الموجود في عالم الظواهر هو مجلى للواحد الحق ، أو صورة جزئية للكل المطلق ، فلا يقال في الموجود أنه الحق إطلاقا وإنما يقال أن الحق تجلى في صورة من صوره التي لا تحصى ، أما الأحدية الذاتية فلا يقع فيها التجلي أبدا ، يقول ابن عربي : " ولهذا منع أهل اللّه التجلي في الأحدية ، فإنك إن نظرته به فهو الناظر نفسه ، فما زال ناظرا نفسه بنفسه ، وإن نظرته بك فزالت الأحدية بك ، وإن نظرته به وبك فزالت الأحدية أيضا " « 2 » ولهذا فإن الأحدية الذاتية لا يقع فيها التجلي أي أن الحق لا يظهر بأحديته في أي شيء . ويشرح أبو العلا عفيفي ذلك موضحا إذ يقول : إن اعتبرت وجودك هو وجود الحق وأسقطت وجودك الخاص كان الحق هو الناظر لنفسه ، وكان حكمك لا معنى له ، وإن اعتبرت الوجودين - وهو معنى قوله إن نظرته بك - زالت الأحدية ، وكذلك إذا اعتبرت الوجودين - وجوده ووجودك - وقلت إنك نظرته بك ثم به زالت الأحدية أيضا « 3 » . ويعزو ابن عربي عملية الخلق كلها للتجلي الإلهي دون أن ينتقص منه شيئا أو يكتمل له أي شيء . فهو ينزه الحق عن تحقيق أي صفة لم تكن له قبلا ، لأن اللّه كان ولا شيء معه ، وكانت الصفات ملازمة له لزوما كاملا ، لهذا كان موصوفا لنفسه ، ومسمّى قبل أن يخلق الخلق ، بالأسماء جميعها التي يدعوه بها خلقه ، ولهذا كانت عملية
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 869 . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الإسماعيلي ، ص 91 . ( 3 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التعليقات على الفصوص ، ص 88 .