سهيلة عبد الباعث الترجمان

344

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

الخلق إنفعالا للإرادة الإلهية ، فتجلت عن أول الموجودات التي كانت اللّبنة الأولى في عمليه الخلق ، ويتضح هذا في قوله : " فلما أراد وجود العالم وبدأه على حد ما علمه بعلمه بنفسه ، انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية حقيقة تسمى الهباء « * » ، وهي بمنزلة طرح البنّاء للجصّ ليفتح به ما يشاء من الأشكال والصور ، وهذا هو أول موجود في العالم ، وقد ذكره عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه وسهل بن عبد اللّه « * * » رحمه اللّه وغيرهما من المحققين أهل الكشف بالحقيقة . ثم إنه تعالى تجلى بنوره إلى ذلك الهباء على حسب قوته واستعداده . . . وعلى حسب قربه من ذلك النور يشتد ضوؤه وقبوله . . . فلم يكن أقرب إليه قبولا من ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالفعل ، فكان مبدأ العالم بأسره ، وأول ظاهر في الوجود ، فكان وجوده من ذلك النور الإلهي ومن الهباء ، ومن الحقيقة الكلية ومن الهباء وجد عينه ، وعين العالم من تجليه . . . " « 1 » . فالنور إذن أولا وآخرا هو مصدر الوجود ، وبه حصل التجلي ، لأن اللّه في حد ذاته نور تجلى لنفسه بنفسه ، فكان عنه كل موجود ، فبالنور الكوني والإلهي كان ظهور الموجودات التي لم تزل ظاهرة له في حال عدمها كما هي لنا في حال وجودها ، فإذا كنا نحن ندركها عقلا في حال عدمها وندركها عينا في حال وجودها ، فإن الحق يدركها عينا في الحالين ، فقال : " فلو لا أن الممكن في حال

--> ( * ) يعني بها ابن عربي المادة المحدثة التي خلق اللّه فيها صور العالم ، فهي الجوهر المظلم الذي قبل صور أجسام العالم . وهو ما يسميها الفلاسفة الهيولى ( في مقابل الصورة ) تختلف في ماديتها عن الجسم الكل الموجود المتعين في أنها غير متعينة ، جوهر يقبل المعاني ، ( فالهباء مادة صور أجسام العالم : فالهباء الذي فتح فيه صور أجسام العالم المنفعل عن الزمردة الخضراء ، ( الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 130 ) . وأشبه شيء به الماء والهواء ( لقبولهما التشكل ) وإن كانا من جملة صوره المفتوحة ( الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 19 ) . ( * * ) أحد أئمة القوم . لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع وكان صاحب الكرامات توفي كما قيل ثلاث وثمانين ومائتين وقيل ثلاث وسبعين ومائتين ، ( الرسالة القشيرية ، ص 24 ) . ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 154 .