سهيلة عبد الباعث الترجمان
334
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
سيده لا يستغني في نفسه عن ربه أبدا " « 1 » ومن هنا جاء قوله تعالى تشريفا لجميع الموجودات وشهادة لهم : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ « 2 » فالفقراء الذين يعنيهم هنا هم الذين يفتقرون إلى كل شيء من حيث أن ذلك الشيء هو " مسمّى اللّه " . ولما كان اللّه هو الموجد لكل شيء ، فإن الحقيقة كما يراها ابن عربي تأبى أن يفتقر إلى غير اللّه . وقد أخبر تعالى أن الناس جميعا فقراء إلى اللّه على الإطلاق ، وأن الفقر حاصل منهم ، وهذه إشارة إلى تجلي الحق وظهوره في صورة كل موجود لأنه هو الغني المطلق . لهذا فإن الحق قد ظهر في صورة كل ما يفتقر إليه فيه . وعليه فلا يفتقر إلى اللّه إلا الفقراء إليه بهذه المثابة . أما ما عدا هؤلاء فهم يفتقرون إلى كل شيء . ويعزو ذلك الفقر الكلي إلى انشغال الناس بما دون اللّه ، فقال : " الناس محجوبون بالأشياء عن اللّه ، وهؤلاء السادة ينظرون الأشياء مظاهر الحق تجلى فيها لعباده حتى في كل أعيانهم ، فيفتقر الإنسان إلى سمعه وبصره وجميع ما يفتقر إليه من جوارحه وإدراكاته ظاهرا وباطنا ، وقد أخبر الحق في الحديث الصحيح " أن اللّه سمع العبد وبصره ويده " « 3 » فما افتقر هذا الفقير إلا إلى اللّه في افتقاره إلى سمعه وبصره ، فسمعه وبصره ، إذن مظهر الحق ومجلاه " « 4 » فهذا هو حال الفقراء إلى اللّه كما يصورهم ابن عربي ، وليس ما يتوهمه من لا علم له بطريق القوم ، فالفقير من افتقر إلى كل شيء وإلى نفسه ولا يفتقر إليه شيء ، وهذه أسنى الحالات لإظهار الذلة والانكسار والعبودية للّه متأثرا بمقالة أبو يزيد « * » " يا رب بماذا أتقرب إليك ؟ قال بما ليس لي : الذلة والافتقار "
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص . ص 489 - 490 . ( 2 ) سورة فاطر ، الآية : 15 ك . ( 3 ) الحديث : أخرجه ابن عربي في مشكاة الأنوار ، رواه البخاري وأحمد والترمذي وأبو يعلى والطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن عائشة أم المؤمنين ، الحديث صحيح ثابت والحديث كما روي : فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها والرجل التي يمشي بها . ( 4 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 21 . ( * ) البسطامي ( أبو يزيد ) ، ( 188 - 261 ه ) طيفور بن عيسى البسطامي أبو يزيد ، ويقال بايزيد ، زاهد مشهور كان ابن عربي يسميه أبا يزيد الأكبر ، نسبته إلى بسطام أصله منها ووفاته فيها ، ربما كان أول من قال بمذهب الفناء . ( ابن خلكان وفيات الأعيان ج - 1 ، ص 240 ، السلمي ، طبقات الصوفية ، تحقيق الأستاذ نور الدين شريبة ، مكتبة الخانجي ، الطبعة الثانية ، ص 67 - 74 ، المناوي : الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ، طبع منه الجزء الأول في مصر 1938 ، والثاني 1963 ، ج - 1 ، ص 242 ، أبو نعيم الاصفهاني ، حلية الأولياء ، مصر ، 1351 ه / 1932 م ، ج - 1 ، ص 33 ) .