سهيلة عبد الباعث الترجمان
335
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » أي ليذلّوا لي حتى يعرفون الأشياء فيذلّوا لي ، لا لمن ظهرت فيهم أو ظهرت أعيانهم بكونهم مظاهر لي . فوجودهم أنا وما يشهدون في أعيانهم سوى وجودهم « 2 » . ولما كان تعالى هو الوجود الحق ، وحقيقته هي حقيقة الوجود كله ، فإنه ما من أحد غنيّ في وجوده عنه ، بل الكل مفتقر إليه ، واللّه غنيّ عن العالمين . ويشرح النابلسي ذلك موضحا بأن اللّه هو الوجود المحض ، فالكل محتاج إليه لقيامه به فقال : " إنه تعالى هو الوجود ، وكل شيء مفتقر إلى الوجود ومحتاج إليه ليظهر بالوجود ، والوجود ظاهر بنفسه لا بشيء من الأشياء أصلا ، لأن الوجود هو الكاشف عن الأشياء العدمية والمتجلي بها والمظهر لها ، والأشياء ليست هي الكاشفة عنه ولا المظهرة له بخلاف ما يقع في الأوهام القاصرة من أنها تسمى مظاهر باعتبار أنها أظهرته " « 3 » . هكذا يتبين أن الافتقار الذي يتصف به كل ما سوى اللّه هو افتقار للوجود بعد العدم لأن الموجود لا يتطلب الوجود إلا في حال عدمه لا في حال وجوده ، ولذا كان الافتقار لكل ما سوى اللّه أمر ذاتي لا يمكن الانفكاك عنه ذوقا وعلما صحيحا ، والعالم كما يراه ابن عربي مفتقر بلا شك إلى الأسباب افتقارا ذاتيا ، وأعظم الأسباب له سببية الحق ولا سببية للحق يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهية ، والأسماء الإلهية كل اسم يفتقر العالم إليه من عالم مثله أو عين الحق فهو اللّه لا غيره . وإذا تساءلنا مع ابن عربي قائلين : هل للحق سببية يفتقر العالم كله إليها ، فإن الجواب بداهة هو بالإيجاب ، ومتعلّق ذلك أن افتقار العالم هو للأسماء الإلهية لأن كل اسم منها مجلى للحق يتجلى في الموجودات ، وقد أشار إلى أن لكل اسم من أسماء اللّه تجل خاص يتجلى به على عباده ، فكان العالم كله بذلك صورة الحق ، لأنه صادر عنه صدورا مباشرا لا تعمّل فيه لأي شيء خارج عنه . وهذا ما جعل نظرية الخلق عنده تميل إلى القول بالفيض ، إذ أن الحق أفاض برحمته الوجود على الممكنات فأوجدها بعد
--> ( 1 ) سورة الذاريات ، الآية : 56 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 21 . ( 3 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، كتاب الوجود ، ص 358 .