سهيلة عبد الباعث الترجمان

329

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

إن لم يكن الأمر كذلك وإلّا فما كان يظهر لنا وجود ولا لنا وجود عين ، ولا لنا إيجاد حكم ، فكما أوجدنا علينا ، أوجدنا الحكم له جزاء وفاقا ، إن تفطّنت فهو لنا موجد عين ، ونحن له موجد ورب ، ويقول شعرا : فلو لا الحق ما كان الوجود * ولولا الكون ما كان الإله جزاء قد أراد الحق منه * سؤال السائلين بمن وما هو فما هو في العموم بغير شك * وأما في الخصوص فهو وما هو « 1 » إذن يمكننا القول إن موقف ابن عربي هنا دليل واضح على رفضه لفكرة الأشاعرة عن الصدور ، فقد قالوا بالصدور عن الحق ، ولكنهم حصروا هذا الصدور بواحد فقط لا يصدر عنه إلا واحد فقط ، وذلك لقولهم لا يصدر عن الواحد من كل وجه إلا واحد ، وهذه إحدى المسلمات التي تستند إليها نظرية الفيض عند فلاسفة الإسلام كما بينا من قبل . ويضيف بأن الأشاعرة جعلوا الإيجاد للحق من كونه قادرا ، والاختصاص من كونه مريدا ، فيكون كون الشيء مريدا ما هو عين كونه قادرا وقد أبطل أقوالهم ، يقول : " فليس قولهم بعد هذا أنه واحد من كل وجه صحيحا في التعلق العام ، وكيف هم مثبتوا صفات زائدة على الذات قائمة به تعالى ، وهكذا القائلون بالنسب والإضافات وكل فرقة من الفرق ما تخلّصت لهم الوحدة من جميع الوجوه " « 2 » . كما أنه ليس لفكرة الصدور « * » لدى ابن عربي أدنى شبه بالصدور لدى إخوان الصفا إذ أن ما يقصدونه بالصدور كما يقولون هو صدور العالم عن اللّه كما يصدر الكلام عن المتكلم أو الضوء عن الشمس حيث تفيض الأشياء عن وحدة اللّه بالتدرج وربما كان قصدهم من معنى الصدور نفي القدرة الإلهية باعتبار ضوء الشمس مثلا لازم له لا يستطيع حبسه ومنعه « 3 » .

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 657 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، المقدمة ، ص 52 . ( * ) يعني بالصدور الخلق والإيجاد عن اللّه لقوله تعالى : أعددت لعبادي ، وقد استخدم كلمة الصدور بمعنى مجازي فقال لا يقال العالم صادر عن الحق تعالى إلا بحكم المجاز لا الحقيقة ، وذلك تمييزا عن الصدور لدى الفلاسفة المشائين . ( 3 ) دائرة المعارف الإسلامية ، مجلد 1 ، ص 527 وما بعدها .