سهيلة عبد الباعث الترجمان
330
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأشاعرة ولإخوان الصفا ، فإن لمعنى الصدور شأنا آخر لدى ابن عربي ، إذ يرى فيه صدورا عن اللّه ، وهذا الصدور مرتبط بالعودة إلى اللّه ، وهذا روح مذهبه إذ أن كل شيء من اللّه وإليه مردّه ، وللإنسان دوره في هذا المجال من حيث مكانته ودنوّه من الحق لصدوره عنه يقول : " للإنسان وحده ورود على اللّه ، وصدور عن اللّه ، هو عين وروده على اللّه من طريق آخر غير الورود الأول ، فهو بين إقبال على اللّه للاستفادة وصدور عن اللّه بالإفادة ، وهذا الصدور هو عين الإقبال على اللّه لاستفادة أخرى ، وكثيرا ما يكون الفتح في الصدور عن اللّه من حيث ما هو إقبال على اللّه ، فهو ممن يرى الحق في الخلق . . . فأعظم الإقبال وأعلاه من يكون إقباله على اللّه عين نفسه الخارج ، وصدوره عن اللّه عين نفسه الداخل ، فهو مقبل على اللّه من كونه محيطا بالنفس الخارج ، ومقبل على اللّه في صدوره وبنفسه الداخل من كون الحق وسعة قلبه ، فيكون مستفيدا في كل نفس بين اسم إلهي ظاهر واسم إلهي باطن . . . فالمتكلم والمكلم عين واحدة في صورتين بإضافتين " « 1 » . ويحاول ابن عربي أن يجعل من هذا الصدور واقعا حسيا قابلا للتصور والفهم ، فيعطي صورا مختلفة لذلك ، فهو يشبّه الخلق بصدور الأصوات من فم الإنسان ، فكما تكون الكلمات قبل النطق في حالة اختلاط ثم تصبح بحكم كرمه ورحمته الإمكانيات الأصلية للوجود ، فيخرجه بعد ذلك إلى حيّز الوجود ، فالكون في صدوره عن الحق إذن هو تجل للذات الإلهية التي تتجدد في كل لحظة دون أن تتكرر في جوهرها ، وهذا دليل على تجدد الخلق في كل برهة « 2 » . وكون ابن عربي متصوفا سنّيا فهو يراعي حدود الشرع ولا يحيد عنه ، فهو وإن كان قد استخدم في تعبيره ألفاظا فلسفية بحتة كالصدور أو الفيض أو غير ذلك ، إلا أنه لا يرمي من وراء ذلك إلى تعطيل عملية الخلق والإيجاد للحق ، لأن اللّه هو الموجد الخالق في كل آن لكل شيء ، ومن هنا كان استخدامه لكلمة الصدور استخداما مجازيا لا حقيقيا ، لأنه لا يمكن القول إن كل شيء صدر عن اللّه صدورا مباشرا في ذاته ، فهو
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 530 . ( 2 ) نصر ( سيد حسين ) ، ثلاثة حكماء مسلمين ، ص 210 ، هامش 71 .