سهيلة عبد الباعث الترجمان
324
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ويخبرنا ابن عربي عما أخبر عنه الحق من أن عينه عين صفات العبد لما يتحقق به العبد من صفات حقية ، كذلك سائر قواه كالسمع فهو السامع والسمع وما إليها من صفات أخرى ، وهذا حقيقة مذهبه حيث يرى من باب الحقيقة كونه تعالى عين الوجود ، وأنه تعالى أخبر أن عينه عين صفات العبد وأعضائه ، فهو السمع والسامع ، وسائر المدركات بها ليست إلا عنه ، إذن فهل الصفة زائدة على الذات أم أنها عين الذات ؟ . يجيب ابن عربي " بأن الصفات عين الذات ، وذلك إذا نظر إليها من الوجه الذي يلي الذات ، وهي غير الذات إذا نظر إليها من الوجه الذي يلي انقسام الوجود إلى الأقسام المتعددة " « 1 » . فهو إذن يعتبر أن هذه الصفة إنما هي نسبة ، والنسب مضافة إلى الذات باعتبار الوجود واحد في ذاته ، متكثر في مظاهره بالإضافات والنسب التي تضاف إلى الذات فتعرف بها ، ويضرب لذلك مثلا بأمور حسية تقرب معناها إلى الفهم وذلك بواسطة العدد لما في ذلك من وجه شبه بين الواحد في ذاته من حيث وجوده وقيام الموجودات به فيرى " أن العشرة قائمة بنفسها ، فهي بنسبة الثلاثين ثلثها ، والأربعين ربعها ، مع أن العشرة واحدة إنما هي لنا بنسبة شيء إلى شيء ، إذ المتغاير كله للمحدث ، فإذا نسب إليه سبحانه أهل العز يسمى معزا ، وأهل الذل يسمى مذلا ، فهو الموصوف بكماله ، والأحد المتعال بذاته عن أسمائه وصفاته . . . " « 2 » وفي هذا تثبيت للقول بأن العين الواحدة متعالية عن كل نسبة وإضافة لأنها موجودة بذاتها لا بأسمائها وصفاتها ، فلها الاستقلالية التامة عن كل هذه الأمور الإضافية ولكنها بإضافتها إليها تعرف . إذن فما يراه في تحقيق مذهبه أن كل ما يظهر من موجودات وتعينات ليست إلا نسبا وإضافات مختلفة فيما بينها ، وكلها دلالات لذات واحدة هي ذات الحق ، وهي ليست بأشياء زائدة عليها ، فهي عند قوم نعوتا وصفاتا وأحوالا ، وعند آخرين أسماء ، ولكن إذا ثبت أن هذه النسب المضافة إلى الذات ليست إلّا أحوالا عند البعض ، فما هو حكم هذه الأحوال في نظر ابن عربي ؟ وهل يمكن اعتبارها نسبا وجودية أم عدمية ؟ .
--> ( 1 ) ابن عربي ، شجون المسجون ، ورقة 37 ، ص ب . ( 2 ) المصدر السابق ، ورقة 37 .