سهيلة عبد الباعث الترجمان
299
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
فما الأمر إلا بين خلق وخالق * فقل إن تشأ حقا وقل إن تشأ خلقا « 1 » وأوضح ما يظهر فيه حكم الواحد هو في العدد لأنه بالواحد يظهر العدد وينشأ على الترتيب الطبيعي في الاثنين إلى ما لا يتناهى . وبزوال الواحد يزول ، فالمعلول لولا علته ما ظهرت له عين ، والعالم لولا اللّه ما وجد في عينه ، وهكذا فما ثمّ إلا الواحد ، وهو المعبود بكل لسان والعابد من كل عابد فهو الواحد ، والعدد مهما زاد فهو تكرار الواحد ، فله السريان في كل شيء ، وهو ليس بأمر زائد ، فهو وحدانية الحق ، فليس إلا الوجود الواحد ، وهو اللّه الذي إليه يرجع كل أمر ، ومن ثمّ قال : " فما ثمّ إلا الواحد ، والاثنان إنما هو واحد ، وكذلك ليس الأمر زائدا ، فإن الواحد ظهر في مرتبتين معقولتين ، فسمى هكذا - 11 - مثلا ، ثم ظهرت في ثلاث مراتب - 111 - مثلا فسمي ثلاثة . . . ، فهذه وحدانية الحق ، فبوجوده ظهرنا ، ولو لم يكن لم نكن ، ولا يلزم من كوننا لم نكن أنه سبحانه لا يكون ، كما لا يلزم من عدم الخمسة عدم الواحد ، فإن الأعداد تكون عن الواحد لا يكون الواحد عنها ، فلهذا تظهر به ولا يعدم بعدمها . . . فتفطّن لهذا الواحد والتوحيد واحذر من الاتحاد في هذا الموضع ، فإن الاتحاد لا يصح ، فإن الذاتين لا تكون واحدة ، وإنما هما واحدان ، فهو الواحد في مرتبتين " « 2 » . فمذهبه إذن لا يشير إلى الكثرة لا من قريب ولا من بعيد ، وذلك بعدم تضاعف العدد أو تولّد شيء عنه ، فإذا ضرب العدد الواحد في الواحد لم يتضعّف ولم يتولد منهما كثرة فإن ضرب الشيء في نفسه لا يظهر عنه سوى نفسه « 3 » ، وبهذا تنتفي الكثرة في مذهبه كما يرى في هذا الواحد أنه يلزم عنه ألا يكون معه غيره لئلا يلزم عنه التركيب أو ما يغاير الوحدة أزلا « 4 » . فالعدد إذن بهذا المعنى عنده هو مفرد وله خاصية في ذاته لا يشاركه فيها موجود آخر ، وهي الفردية التي عنها وجدت الأشياء ، ولهذا
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ( بولاق ) ، ص 377 ، ( صادر ) ، ص 294 . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب الأحدية ( الرسائل ) ، ص 3 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 3 . ( انظر محمد مصطفى حلمي ، كنوز في رموز ، الكتاب التذكاري لابن عربي ، ص 52 ) . ( 4 ) ابن عربي ، شجون المسجون ، لوحة 22 .