سهيلة عبد الباعث الترجمان
296
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وقال : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ « 1 » فصارت الأسماء المذكورة بعد " الهو " تبين عن " الهو " ما يريد من الإحداث في العالم خاصة ، فالأسماء كلها ترجمانات عن الهو ، والهو مكتف بحجاب العزة الأحمى في أحديته وهويته . . . ولا يصح الهو إلا للذات المطلقة الموصوفة بالأحدية ، ولهذا خصّت بالأحدية خصوصية ذات ، فإن كل ما سوى اللّه تعالى موجود مدرك للّه ولبعضه ، أعني لبعض ما سوى اللّه ، فهو في الأنت لا في الهو " « 2 » . ولما كان الأمر كذلك فإن الأحدية محجوبة عن الرؤية لأنها موطن الأحد ، ولا تتكشف حقيقتها لأيّ كان حتى أكمل النشآة وهو الإنسان ، فهو محجوب عنها لأنه ممنوع على أهل اللّه التجلي في الأحدية كما مر ، إذ أن الأحدية لها الغنى عن كل شيء ، ومن هنا قامت الفطرة الإنسانية على الواحدية وليس على الأحدية مطلقا لأنها سرّ الألوهية ، وهي صعبة الإدراك ، وقد حصر الرؤية في الحق فقط فلا يراه في الأحدية سواه تعالى لأن الحقائق تأبى ذلك . ويميز ابن عربي بين قوة الأحدية والواحدية وما بينهما من خصائص لكل منهما فقال : " فالواحدية لا تقوى قوة الأحدية ، فكذلك الواحد لا يناهض الأحدية ، لأن الأحدية ذاتية للذات الهوية ، والوحدانية اسم لها ، سمتها بها التثنية ، ولهذا جاء الأحد في نسب الرب ، ولم يجيء الواحد ، وجاءت معه أوصاف التنزيه . . . ثم إن الأحدية قد أطلقت على كل موجود من إنسان وغيره لئلا يطمع فيها الإنسان فقال تعالى : فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً « 3 » وإنما عمّت الأحدية جميع المخلوقات للسريان الإلهي الذي لا يشعر به خلق إلا من شاء اللّه " « 4 » . ومن هنا جاء التنزيه للأحدية إذ لا يصح به تجل أبدا ، لأن حقيقته تمنع ذلك ، ويدفع الناس عن الطمع في تجلي الأحدية ورفع حجابها لما لها من السبحات المحرقة ، ولذا فهو يرى أن القدرة في
--> ( 1 ) سورة الحشر ، الآية : 24 م . ( 2 ) ابن عربي ، كتاب الياء ( الرسائل ) ، الجزء الأول ، ص . ص 2 - 3 . ( 3 ) سورة الكهف ، الآية : 110 ك . ( 4 ) ابن عربي ، كتاب الألف أو الأحدية ، ( الرسائل ) ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى ، حيدر أباد الدكن ، 1367 ه / 1948 م ، ص 3 .