سهيلة عبد الباعث الترجمان

283

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

فإن ابن عربي لم يشأ أن يقيم الدليل على وجود الحق ، ولا على وحدة الحق والخلق ، إذ أن القضية عنده قضية إيمان ، فوجود الحق غني عن البرهان لأن الحق ظاهر بصور جميع الموجودات ، ومناقشته لجوهر الأشاعرة والأعراض تثبت أن الحق ليس إلا الجوهر الذي تكلموا عنه ، وأن تجليات الحق عنده في مظاهر الوجود ليست سوى أعراض ذلك الجوهر وأحواله « 1 » . ولما كان مفهوم الجوهر هو الشيء القائم بذاته ، فإن الذات الإلهية أيضا بمفهومها هي قائمة بنفسها ، فما مفهوم ابن عربي للذات الإلهية ومرتبتها الوجودية ؟ . - الذات الإلهية : لعل فكرة الذات الإلهية هي من أهم المسائل التي شغلت الفكر الإنساني عامة وأهل التصوف خاصة ، لما يترتب على الذات من أمور تتعلق بحقيقة الوجود ، فهم يرون أن أول حضرة ظهر عنها العالم هي حضرة الذات الإلهية المتصفة بجميع الأسماء والصفات ، ولذا فهي تسمّى في اصطلاح القوم " بحقيقة الحقائق " و " البرزخ الجامع " . ويعرّفها الطوسي بأن الذات هي " الشيء القائم بنفسه ، والاسم والنعت والصفة معالم للذات ، فلا يكون الاسم والنعت والصفة إلا لذي ذات ، ولا يكون ذو ذوات إلا مسمّى منعوتا موصوفا ، وذلك أن القادر اسم من أسماء اللّه تعالى ، والقدرة صفة من صفاته ، والتقدير نعت من نعوت اللّه « 2 » . فتكون الذات الإلهية بهذا المعنى هي " الوجود الأزلي الأبدي الدائم " « 3 » . فالذات الإلهية بهذا المفهوم لا تعرف إلا من خلال مراتبها ، والألوهية هي مرتبة للذات الإلهية لو بطلت لما بطل كمال الذات وما فقدت شيئا وذلك للغنى الذاتي لهذه الذات ، فهي غنية عن العالمين ، وليس وجود الخلق بالقياس إليها ضروري ، إنما وجد لضرورة معرفة الكنز المخفي كما ورد في الحديث القدسي ، " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق ، فبي عرفوني " « 4 » وأشار ابن عربي إلى

--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص اللقماني ، ص 31 . ( انظر عفيفي ، دائرة المعارف الإسلامية ، مادة ابن عربي ، ص 598 ) . ( 2 ) الطوسي ، ( أبو نصر السراج ) ، اللمع ، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور ، دار الكتب الحديثة ، مصر ، 1380 ه / 1960 م ، ص 428 . ( 3 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، مرجع سابق ، ص 269 . ( 4 ) الحديث : سبق تخريجه .