سهيلة عبد الباعث الترجمان
279
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
إنما عرفنا الحق بضرب المثل فقال : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ « 1 » . كذلك هذا المعقول الهبائي لا يعرف إلا بالمثل المضروب ، وهو كل أمر يقبل بذاته الصور المختلفة التي تليق به ، وهو في كل صورة بحقيقته ، وتسميه الحكماء الهيولى ، وهي مسألة نختلف فيها عندهم " « 2 » . إذن فالجوهر بهذه الصفات المميزة له عن سائر الموجودات يختلف بالطبع عن الأعراض التي هي مظاهره في الوجود ، وهو متعقّل فقط لا وجود عين له كما بينا ذلك . لكن ما العلاقة بين الجوهر والأعراض ، وما نسبة العرض إلى الجوهر ؟ وما مدلولاته الوجودية المميزة له عن الجوهر المتعقل فقط ؟ والجواب أنه إذا حققنا النظر في العالم وأدركنا حقيقته الوجودية ، فإنا نرى أن العالم هو كل ما سوى اللّه ، وليس إلا الممكنات ، سواء وجدت أو لم توجد ، فإنها بذاتها علامة على علمنا ، أو على العلم بواجب الوجود لذاته أي اللّه ، والإمكان حكم لازم في حال وجودها أو في حال عدمها ، بل هو حكم ذاتي لها لأن الترجيح لها لازم ، والمرجح معلوم ، فيقول : " كل صورة في العالم عرض في الجوهر ، وهي التي تقع عليه الخلع والسلخ ، والجوهر واحد والقسمة في الصورة لا في الجوهر " « 3 » فيكون العالم في حال وجوده والحالة هذه ليس بشيء سوى الصور التي قبلها العماء وظهرت فيه ، " فالعالم إن نظرت إلى حقيقته فهو عرض زائل وهو قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 4 » " لذا فالجوهر الثابت كما يعرفه هو " العماء " وليس إلّا " نفس الرحمن " . أما ما ظهر في العالم من صور فهي أعراض فيه يمكن إزالتها ، وتلك الصور هي الممكنات ، فتكون نسبتها من الممكنات نسبة الصور من المرآة تظهر فيها لعين الرائي ، والحق تعالى هو بعد العالم . فهذا الرائي العالم بالممكنات ما أدرك إلا ما في علمه من صور الممكنات ، فظهر بذلك العالم بين العماء وبين رؤية الحق ، فكان ما ظهر دليلا على الرائي وهو
--> ( 1 ) سورة النور ، الآية : 35 م . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 568 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، المقدمة ، ص 52 . ( 4 ) سورة القصص ، الآية : 88 ك .