سهيلة عبد الباعث الترجمان
280
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الحق " « 1 » . وهكذا فإن الجوهر يجمع كل حقيقة في العالم ، كما أن كل اسم إلهي مسمى بجميع الأسماء الإلهية لقوله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى « 2 » ومع ذلك فجوهر العالم كما يراه ابن عربي هو واحد بالجوهرية وإن تكثرت الأعراض عليه . ولنقل الآن : إذا كانت طبيعة الجوهر واحدية في جوهريتها ، فهل طبيعة الأعراض التي تخلع عليها هي ذات صفة واحدة ؟ يطلعنا ابن عربي على طبيعة هذه الأعراض التي تعرض للجوهر ، فهي ليست كلها على حال واحدة فيقول : " فالعالم كله من حيث هو جوهر شريف ولا تفاضل فيه ، وما ظهرت المفاضلة إلا في الصور وفي أحكام المراتب ، فشريف وأشرف ، ووضيع وأوضع " « 3 » . وليس كل أحد مدرك لهذه الحقيقة ، فلا يميز بين الصور والجوهر ، فإذا كانت الصور ليست بشيء غير أعيان الممكنات ، فإن جوهر العالم هو كما ذكرناه سابقا ، وبهذا " فإن أي حكم على العالم من حيث جوهره لا يكون له من حيث صورته ، وأي حكم من حيث صورته لا يكون له من حيث جوهره ، ولذا فمن الناس من علم ذلك على الكشف وهم من قال فيهم بأنهم أهل الطريق والرسل والأنبياء والمقربون ، ومن الناس من وجد ذلك في قوته وعقله ، ولم يعرف من أين جاء ولا كيف حصل له فشارك بذلك أهل الكشف ، ومنهم القائلون بالعلة والقائلون بالدهر والقائلون بالطبيعة ، وما عدا هؤلاء فلا خبر عندهم بشيء من هذا الحكم " « 4 » . ونخلص إلى القول بأن الجوهر لا يتبدّل تبدّل العرض ، فإن الصورة قد تذهب وتتحول وتتبدل ، لكن الجوهر له الاستقلالية بحكم أنه متميز عن العرض بالثبات ، وهو كفيل بأن يذهب العرض وهو الصورة التي تخلع على الجوهر ، ولا يذهب عين الجوهر ، وفي ذلك يقول : " وقد جعل اللّه هذا مثالا للعارفين بأن اللّه تعالى فيما يظهر من
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 578 . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية : 110 ك . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 590 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 590 .