سهيلة عبد الباعث الترجمان
274
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
لما كانت الموجودات ليست شيئا بالإضافة إلى الحق ، وأن فقدان المناسبة بين الحق والخلق يجعل من الخلق عالما متوهّما هو عالم الخيال ، فالعالم كما يبدو متخيّل لما فيه من التبدل والتغير . لذلك فإن مراتبه لا تخرج عن دائرة الخيال والوهم أيضا ، ولهذا يعتبر ابن عربي هذه المراتب التي تتميز بها الموجودات هي نسبة عدمية وليست أكثر من ذلك ، وقد أشار في فتوحاته إلى هذا الأمر فقال : " كذلك ما دخل في الوجود من المراتب وإن كانت عدما فإنها متوهمة الوجود ، فإن المراتب نسب عدمية ، وهي المكانة ، تتنزل كل شيء موجود أو معدوم بالحكم في رتبته ، سواء كان واجب الوجود لذاته أو واجب الوجود بغيره ، أو محال الوجود ، فللعدم المحض مرتبة ، وللوجود المحض مرتبة ، وللممكن المحض مرتبة ، وكل مرتبة متميزة عن الأخرى ، فلا بد من الحصر المتوهم والمعقول " « 1 » . وهكذا ينتهي في تحديده للمراتب ، بحيث لا تختلط الموجودات فيما بينها ، فكل منها في مرتبته حكما ، حيث أنزلها الحق وأقامها فيه دون مشاركة لموجود آخر في مرتبته ، وهذه كلها وفق الحكمة الإلهية التي تعطي كل شيء حقه في الوجود . بعد أن حدد لنا ابن عربي مرتبة هذا الوجود فما حقيقته ، هل هو من جنس المخلوقات التي أوجدها وما طبيعة الموجودات التي أوجدها ؟ الجوهر والأعراض : ينظر ابن عربي إلى الوجود نظرة تفحص وتمحيص فيرى أن الخلق ( أو عالم الظاهر ) في تغير مستمر وتحول دائم أو كما يقول ابن عربي في خلق جديد . أما الحق فهو على ما عليه كان منذ الأزل ، فهو جوهر ، وتجلياته في مظاهر الوجود أعراض له ، وهو مسمى بأسماء جميع المحدثات « 2 » ، فكأنّه بذلك يشير إلى ما ردّده الأشاعرة من قبل حول فكرة الجوهر الفرد ، وإن كان قد أنكر نظريتهم في الجواهر الفردة ولم يسلّم إلّا بجوهر واحد وهو جوهر روحي لا مادي « 3 » ، وبذلك يلتقي معهم في مقولة الجوهر
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 550 . ( 2 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص اللقماني ، ص 120 . ( 3 ) مدكور ( إبراهيم ) ، وحدة الوجود بين ابن عربي واسبينوزا ، مقال في الكتاب التذكاري لابن عربي ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، دار الكاتب العربي ، القاهرة ، 1389 ه / 1969 م ، ص 372 .