سهيلة عبد الباعث الترجمان

261

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

كثيرة بحسب أجناسها وأنواعها وأعيانها وأشخاصها ، وإذا لم يكن ثمة غير ذلك الوجود الحق الواحد القديم فكيف يتصور الحلول ، وإنما سببه هو توهم الحلول منهم قصور إدراكهم بالأمر نفسه « 1 » . بعد عرضنا لمفهوم الوجود لدى ابن عربي وردوده على المنكرين لمذهبه ينبغي أن نتساءل هل كان ابن عربي زنديقا ؟ . لقد حاول الكثيرون من الكتاب والمفكرين والباحثين رد التهمة عنه لقوله بوحدة الوجود ظنا منهم أن هذا المذهب مادي ، إلحادي لا يليق بوليّ مسلم من كبار أولياء اللّه . والواقع أن وحدة الوجود التي يقول بها ابن عربي ليست مادية ، وأنها ليست وحدة وجود فلسفية أيضا رغم استخدامه لبعض المصطلحات الفلسفية كالقول بالقوة والفعل والهيولى وغيرها ، فإن استخدام هذه المصطلحات لديه كان من باب التوسع في العلم دون القصد إلى المعنى الفلسفي لدى الفلاسفة ، وكذلك امتلاكه للناحية العقلية النقدية التي يتصف بها الفيلسوف كانت دلالة على تصوف صاح واع لديه لا شطح فيه ولا خروج عن حدود العقيدة والشرع مما يؤكد تصوفه الخالص عن كل شائبة مادية وعدم صبغه بالصبغة الفلسفية ، بحيث يكون صوفيا متفلسفا أو فيلسوفا متصوفا كما هو شأن الغزالي من قبله . بل أنه كما قال ابن تيمية فرّق بين الظاهر والمظاهر ، فكان بذلك أقرب القائلين بوحدة الوجود إلى روح الإسلام « 2 » . ويصدق عليه قول القائل : " إنه وجود اللّه المستغني بذاته عن غيره ، وهو الوجود الحق الذي أعطى ومنح الوجود لكل كائن ، وليس لكائن غيره سبحانه الوجود من نفسه ، إنه سبحانه الخالق ، هو البارىء المصور هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ « 3 » " « 4 » .

--> ( 1 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، كتاب الوجود ، ص 256 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التصوف الثورة الروحية ، مرجع سابق ، ص 188 . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 6 م . ( 4 ) الغزالي ، المنقذ من الضلال ، تحقيق عبد الحليم محمود ، الطبعة الأولى ، دار الكتاب اللبناني ، ص 271 .