سهيلة عبد الباعث الترجمان

262

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وهكذا فإننا بعد أن عرضنا لمذهب ابن عربي في وحدة الوجود وانتهينا إلى إثبات العين الواحدة ، وأنه تعالى موجود بنفسه قائم بها ، وأن جميع الموجودات موجودة باللّه لا بأنفسها ، نتساءل : ما الصورة التي يقوم عليها هذا الوجود الواحد ، هل هي صورة الإطلاق أم التقييد ؟ أو بمعنى آخر : هل الوجود مطلق أم مقيد ؟ - الوجود المطلق : لما كان الوجود بمفهومه الخاص عند ابن عربي واحدا وهو اللّه ، والموجودات ليست سوى تعينات له تظهر وتغيب لتظهر موجودات أخرى ، فإن هذا يدل على استمرارية الوجود والإيجاد أي اللّه والعالم ، وبمعنى آخر استمرار القدرة والمشيئة والإرادة الإلهية لهذا الوجود ، لذا فإنه يرى بأن اللّه هو الوجود المطلق ، الواحد الموجود في الخارج ، وهو خير محض ، وله وحده إطلاق الوجود لا لسواه " فإن الباري وجود مطلق لا أول له ولا آخر ، هو الهو على الحقيقة " « 1 » . و " الهو " عبارة عن " الذات الإلهية " بالإطلاق لأنها كناية عن الأحدية التي تشير إلى الذات الإلهية في ماهيتها الحقيقية دون إضافة أية صفة خارجية عليها فهي حقيقة الذات الإلهية ، وهو يكنّي " بالهو " عن الذات الإلهية في إطلاقها لأنه يرى أن الهو باطن كل موجود ، وهي الأحدية التي تشير إلى الذات دون إضافة إليها فيقول : " إن الهو كناية عن الأحدية ، ولهذا قيل في النسب الإلهي قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ « 2 » فهي الذات المطلقة التي لا تدركها الوجوه بأبصارها ولا العقول بأفكارها " « 3 » ، وذلك لإطلاقها بإسقاط كل نسبة أو إضافة إليها ، وبهذا تكون الذات المطلقة حقيقة قد اختصت بالهو ذلك أنه " ما من مقام يكون فيه تجل من التجليات إلا والهو مبطون في ذلك التجلي " « 4 » ، وذلك لسريان الأحدية في الموجودات جميعها . " فيقع الإخبار عما ظهر من هذه المقامات ، ويقع التنزيه على الذات المطلقة بالهو " « 5 » .

--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب الأزل ( الرسائل ) ، ص 15 . ( 2 ) سورة الإخلاص ، الآية : 1 ك . ( 3 ) ابن عربي ، كتاب الياء ، ( الرسائل ) ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى ، حيدر أباد الدكن ، 1367 ه / 1948 م ، ص 1 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 1 . ( 5 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 2 .