سهيلة عبد الباعث الترجمان
15
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
حسا ومعنى ، شاهدت ذلك منه قبل دخولي لهذا الطريق في زمان جاهليتي « 1 » . في هذا الوسط العامر بالزهد والتصوف قضى ابن عربي سنيّ طفولته ، في مدينة مرسية ، وكانت تحت حكم ابن مردنيش ، ولم تلبث جيوش الموحدين أن زحفت إلى الأندلس واستولوا على أغلب مدنها ، فأعد لهم ابن مردنيش جيشا وخرج لقتالهم ، وتبادل الفريقان النصر والهزيمة حتى انتهى أمر ابن مردنيش إلى الإدبار ، فهزم في ذي الحجة سنة 560 ه ، وابن عربي في ذلك الوقت في شهوره الأولى ، وحاصر الموحدون مرسية فترة من الزمن ثم أقلعوا عنها ، ثم أعادوا هجومهم عليها مرة أخرى وشدّوا الحصار ، وأخيرا استسلم " بنو مردنيش " . آثروا الطاعة " لأبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الموحدي " سنة 567 ه . إذن كانت طفولته الأولى في " مرسية " في ظل ذلك الصراع الدائر حول المدينة ، ولكن ذلك لم يكن ليشغل أسرته عن إعداد هذا الطفل لمستقبله ، فدفعوه إلى من يأخذ بيده لحفظ القرآن الكريم « 2 » ، وهكذا كانت نشأته تقيّة ، ورعة ، نقية من جميع الشوائب ، فدرج محي الدين في جو عامر بنور التقوى « 3 » . لما بلغ ابن عربي الثامنة من عمره ، انتقل والده إلى إشبيلية ، وحاكمها آنداك " السلطان محمد بن سعد " ، وهي عاصمة من عواصم الحضارة والعلم في الأندلس . شيوخه وأساتذته : تلقى ابن عربي تربية أدبية ودينية كاملة ، حيث كان بعد ذلك يشير في كتبه مرارا إلى شيوخه في القراءات والتاريخ والأدب والشعر والحديث ، وقد قرأ في إشبيلية الكتب الرئيسة في كل فن رغم ميله عن الزهد وانشغال قلبه بالآداب والصيد ، وفي إشبيلية شب محي الدين ودرج ، وما كاد لسانه يستبين حتى دفع به والده إلى عميد الفقهاء آنذاك وهو " أبو بكر محمد بن خلف اللّخمي الإشبيلي " أستاذه في علم القراءات ،
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 240 . ( 2 ) فرغلي ( عبد الحفيظ ) ، مرجع سابق ، ص . ص 20 - 21 . ( 3 ) ابن عربي ( محي الدين ) ، رسالة روح القدس ، ص 9 .