سهيلة عبد الباعث الترجمان
232
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ولقد أدرك ابن عربي في تصويره للوجود عن طريق الذوق والمكاشفة حقائق وأمور من وراء طور العقل يعجز العقل عن إدراكها قال فيها : " ثم أظهرت أسرارا وقصصت أخبارا لا يسع الوقت إيرادها ولا يعرف أكثر الخلق إيجادها « 1 » فوصفت بأنها خارجة عن المألوف لدى العقل ، وما هي في الواقع سوى حقائق إلهية أدركها القلب بعد أن خلص من شوائب المادة وأدرانها ، فعبّر عنها بصورة رمزية مختلفة ، دقّت على الأفهام وجهلتها العقول وحسبتها أنها ليست من الحقيقة في شيء ، وقد تولّى تلاميذ ابن عربي وشارحوه من بعده حلّ هذه المعضلة حيث أخذ كل من صدر الدين القونوي والقاشاني وبالي أفندي وجامي ومن تبعهم من مدرسة ابن عربي أمثال عبد الكريم الجيلي وعبد الغني النابلسي فيما بعد والبكري والأمير عبد القادر الجزائري وغيرهم ممن درسوا ابن عربي ، فاعتنوا بتوضيح مغاليق كلامه ورد افتراءات المنكرين عليه وتنقية مؤلفاته مما لحق بها من الدّسّ والغلط من المتجنّين عليه . ويحدد لنا ابن عربي مفهومه للوجود فيقول بأنه هو " اللّه تعالى " وهو " الخير المحض " لأن " اللّه " بمعنى " الوجود " هو " الخير " وهو ضدّ العدم ، لأن العدم لا وجود له ، وعليه فإن الوجود بمعنى " مصدر الإيجاد " مفارق تماما لمعنى الوجود المحض لديه ، فيقول : " إنه تعالى الوجود ، فلا يعطي إلا الوجود ، لأن الخير كله بيده ، هو الوجود ، والوجود هو الخير كله " « 2 » . فانتفى بذلك معنى العدم عن الحق لأنه خير ووجود ، ولذا قال : " أنه لما كان هو الخير المحض ، فإنه الوجود الخالص المحض ، الذي لم يكن عن عدم ، ولا إمكان عدم ، ولا شبهة عدم ، كان الخير كله بيديه " « 3 » . ويعمد النابلسي إلى توضيح معنى الوجود بقوله : بأن الوجود هو اللّه تعالى لا أن الموجودات هي اللّه سبحانه وتعالى على ما وجدناه في الكتاب والسنّة . هذا ضد مقالة الزنادقة والملحدين بأن حقيقة الوجود الحق هي حقيقة جميع المخلوقات والمخلوقين وما إلى ذلك « 4 » . ويقول
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، المقدمة ، ( صادر ) ، ص 5 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ( بولاق ) ، ص 385 . ( 3 ) يحيى ( عثمان ) ، الفتوحات المكية ، تحقيق / ف 352 / 2 ، الجزء 36 ، ص . ص 262 - 263 . ( 4 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، كتاب الوجود وخطاب الشهود في التصوف والصوفيين ، مخطوط ، الظاهرية ، دمشق ، ص 215 .